قراءة نقدية لمواد الدستور العراقي (5-5)

السلطات القضائية

في الفرع الثاني من الفصل الثالث الخاص بالسلطة القضائية تنص الفقرة (ثانيا) من المادة (92) على (تتكون المحكمة الاتحادية العليا، من عدد من القضاة، وخبراء في الفقه الإسلامي، وفقهاء القانون، يحدد عددهم، وتنظم طريقة اختيارهم، وعمل المحكمة، بقانون يسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب) والاعتراضات على هذه المادة كثيرة تقع في المقدمة منها ما أورده د. فالح عبد الجبار في مقال متضادات الدستور العراقي ضمن كتاب مأزق الدستور ص93 حين ذكر \”ان مصطلح (خبراء الشريعة) ليس على وضوح مصطلح (القضاة) و(الحقوقيين) فخبير الشريعة قد يكون من القضاة المدنيين (قضاة الدرجة الاولى يدرسون القانون المدني والشريعة على حد سواء فهم خبراء في هذين المجالين) او يمكن ان يكونوا بتأويل معين رجال دين لهم إلمام بالشريعة دون الالمام بالقانون المدني (والقانون الدولي) ان المادة (90) تترك فراغات مفهومية واجرائية قد تفتح الباب للاخلال بتوازن المحكمة الدستورية العليا فتتحول هذه الاخيرة الى شي يشبه \”مجلس حماية الدستور\” الايراني في قوامها ووظيفتها اي تتحول الى اداة للحكم الاكليروسي (حكم رجال الدين) وهي خشية واسعة الانتشار في الاوساط المدنية في العراق\” وقد كرس هذه المخاوف ما حصل فعلا عند مناقشة قانون المحكمة الاتحادية في مجلس النواب حين حاولت بعض الأحزاب والكتل الإسلامية المتنفذة في المجلس فرض (خبراء في الفقه الإسلامي) من خارج منظومة القضاء، وفي هذا خرق وتدخل في عمل السلطة القضائية فضلا عن إنه تكريس لتدخل رجال الدين (المسيسين) في السياسة بما سينتج عنه لاحقا نظاما يعتمد مبدأ (ولاية الفقيه) بصيغة أخرى.

 

اختصاصات السلطات الاتحادية

تنص المادة (110) على:

تختص السلطات الاتحادية بالاختصاصات الحصرية الآتية:

أولا: رسم السياسة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي، والتفاوض بشأن المعاهدات والاتفاقيات الدولية، وسياسات الاقتراض والتوقيع عليها وابرامها، ورسم السياسة الاقتصادية والتجارية الخارجية السيادية.

 

ثانيا: وضع سياسة الامن الوطني وتنفيذها، بما في ذلك انشاء قوات مسلحة وادارتها، لتأمين حماية وضمان امن حدود العراق، والدفاع عنه.

 

ثالثا: رسم السياسة المالية، والكمركية، واصدار العملة، وتنظيم السياسة التجارية عبر حدود الاقاليم والمحافظات في العراق، ووضع الميزانية العامة للدولة، ورسم السياسة النقدية وانشاء البنك المركزي، وادارته.

 

رابعا: تنظيم أمور المقاييس والمكاييل والاوزان.

 

خامسا: تنظيم أمور الجنسية والتجنس والاقامة وحق اللجوء السياسي.

سادسا: تنظيم سياسة الترددات البثية والبريد.

سابعا: وضع مشروع الموازنة العامة والاستثمارية.

ثامنا: تخطيط السياسات المتعلقة بمصادر المياه من خارج العراق، وضمان مناسيب تدفق المياه اليه وتوزيعها العادل داخل العراق، وفقاً للقوانين والاعراف الدولية.

تاسعا: الاحصاء والتعداد العام للسكان.

 

وليس معلوما لماذا وضع المشرع هذه المادة وبهذا العنوان (اختصاصات السلطات الاتحادية) فالسلطات الاتحادية تعني (السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية) ولكل من هذه السلطات اختصاصات وصلاحيات بينت في مواد مستقلة لكل منها، وعند النظر الى الاختصاصات الواردة في هذه المادة نرى أنها خليط من الاختصاصات (التنفيذية) و(التشريعية) فـ\”وضع سياسة الأمن الوطني\” مثلا يحتاج الى قانون الذي هو من اختصاص السلطة التشريعية، لكن تنفيذ هذه السياسة يحتاج الى إجراءات التي هي من اختصاص السلطة التنفيذية وكذلك رسم السياسة المالية، أما الإحصاء فهو من الاختصاص الحصري للسلطة التنفيذية، لذا وبدلا من وضع هذه المادة التي تحتاج الى تدخل المحكمة الاتحادية لفرز ما يقع ضمن نطاق اختصاصات السلطة التنفيذية عن تلك التي تقع ضمن اختصاصات السلطة التشريعية، وكان على المشرع إدراج جميع الاختصاصات الواردة في هذه المادة ضمن اختصاصات السلطات الاتحادية وحسب اختصاصها (تنفيذية، تشريعية، قضائية) وفي المواد الخاصة بكل منها، وأن لا يجعلها قابلة لتعدد القراءات وتنازع الاختصاصات بين السلطات.

 

مواد متفرقة

في الفصل الثاني (المحافظات التي لم تنتظم في اقليم) المادة (122) ثانيا يقول (تمنح المحافظات التي لم تنتظم في اقليم الصلاحيات الادارية والمالية الواسعة بما يمكنها من إدارة شؤونها على وفق مبدأ اللامركزية الادارية وينظم ذلك بقانون) ولم يتطرق الى هذه الصلاحيات الادارية والمالية (الواسعة)، وإلا فكيف وعلى ماذا يمكن الاستناد في اعتبار أن إجراء ما يندرج ضمن هذه الصلاحيات ام لا؟، ثم لماذا كلمة (الواسعة)؟ اليس المفترض أن تكون مقيدة بما لا يتعارض مع السلطات الاتحادية مثلا؟ وفي الفقرة خامسا من نفس المادة يقول (لا يخضع مجلس المحافظة لسيطرة او اشراف اية وزارة او اية جهة غير مرتبطة بوزارة، وله مالية مستقلة) هل هذا يعني ان المحافظات ستكون دول مستقلة؟ واذا كان الجواب بلا، فما هي طبيعة العلاقة مع المركز واين وفي اي نص دستوري يتم تحديد طبيعتها؟ اليس من الافضل ان يكون مجلس المحافظة خاضع لاشراف مجلس النواب مثلا، وبناء على هذا النص الدستوري اليس ممكنا أن يشرع كل مجلس محافظة قوانين بزيادة مخصصاتهم المالية حسب ميولهم كما حصل في عدد من مجالس المحافظات؟

 

في الفصل الرابع (الادارات المحلية) يقول في المادة (125) يضمن هذا الدستور الحقوق الادارية والسياسية والثقافية والتعليمية للقوميات المختلفة كالتركمان و…. وينظم ذلك بقانون) وفي هذه المادة اشكاليتان، الاولى ان اسم الفصل (الادارات المحلية) لا ينطبق على المضمون، فالإدارات المحلية تعني ادارات النواحي والاقضية والمحلات، وما موجود في نص المادة هي (ادارة شؤون الاقليات) وهو ما يمكن ان يكون اسم الفصل، والثانية كيف يمكن أن توجد حقوق (ادارية) لقومية ما دون ان تمثل غالبية في منطقة ما يكون بامكانها (ادارة شؤونها الادارية)؟ 

وفي الباب السادس (الاحكام الختامية والانتقالية) المادة (126) ثانيا يقول (لا يجوز تعديل المباديء الاساسية…. الا بعد دورتين انتخابيتين متعاقبتين وبناء على موافقة ثلثي اعضاء مجلس النواب عليه، وموافقة الشعب بالاستفتاء العام، ومصادقة رئيس الجمهورية خلال سبعة ايام)، ولا اعرف لماذا لا يجوز التعديل الا بعد دورتين انتخابيتين متعاقبتين؟ في حين كان على المشرع أن يقول العكس تماما (يمكن تعديل فقرات الدستور خلال الدورتين الانتخابيتين الاوليتين فقط) فكلنا يعلم أن الدستور كتب على عجالة وتحت ضغوطات مختلفة وعلى اسس حكمتها الى درجة كبيرة ردود الأفعال على كل ما يصدر من الأخر بغض النظر عما اذا كان فيه مصلحة عامة ام لا، كما ان الدستور لم يضعه متخصصون مستقلون عن التأثيرات السلبية لمرجعياتهم السياسية والطائفية، فضلا عن ان الممارسة الفعلية لبعض مواد الدستور تفرض بدورها اجراء تغييرات على بعض مواده كما هي الحال الآن؟ ولماذا اوجب المشرع مصادقة رئيس الجمهورية بعد الاستفتاء العام؟ وماذا اذا لم يصادق رئيس الجمهورية على التعديلات وعلى نتائج الاستفتاء العام؟ هل سيتم الغاء كل ذلك؟ ونفس الكلام ينطبق على الفقرة (ثالثا) من نفس المادة.

 

وفي المادة (133) يقول (يعتمد مجلس النواب في جلسته الأولى، النظام الداخلي للجمعية الوطنية الانتقالية، لحين إقرار نظام داخلي له) انتفت الحاجة لهذه المادة بعد انتخاب مجلس النواب عام 2005 وتكفي المادة (51) التي تنص على (يضع مجلس النواب نظاما داخليا له لتنظيم سير العمل فيه) عوضا عن المادة أعلاه.

 

وفي المادة (135) يقول في اولا (تواصل الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث أعمالها بوصفها هيئة مستقلة……) وما اريد أن اقوله بخصوص هذه المادة بفقراتها الست هو أن الغاية من ايجاد هذه الهيئة هو الاقتصاص من قتلة العراقيين من أركان النظام السابق – او هكذا أريد لها أن تكون -، وبما اننا بصدد انشاء دولة المؤسسات والقانون فليس من الصواب استمرار عمل هذه الهيئة (المساءلة والعدالة فيما بعد) لأن من شأن ذلك تشويه صورة النظام الجديد وإعطاء المبررات للنيل منه فمن شأن القانون وسلطة القانون الاقتصاص من قتلة العراقيين في الماضي والحاضر والمستقبل، كما ان البعث حالة من الماضي ليس من الصحيح استمرار الاشارة لها في دستور يتناول مستقبل العراق واذا كان لابد من ذلك فبحظر عمل هذا الحزب داخل العراق وهذا مذكور في الفقرة اولا من المادة (7) من الدستور، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أعتقد أن من غير الحكمة التعامل مع البعث السابق كأشخاص بل هو منظومة من الاخلاقيات والسلوكيات التي تسودها الانتهازية والإيمان بالقوة والترهيب والخداع والتآمر طريقا لنيل السلطة أتاحت لشخص مثل صدام حسين ان يتسيدها، ومكافحة ذلك يأتي من خلال ممارسة كل ما يتناقض مع هذه الأخلاقيات والسلوكيات ولا بأس أن يكون دور الهيئة (اذا اريد لها الاستمرار في العمل) العمل على حظر كل حزب يعمل وفق هذه الأخلاقيات والسلوكيات ومعالجة ما كرسه البعث في المجتمع من ممارسات وقيم لا أخلاقية.

 

يقول المشرع في الفقرة أولا من المادة (140) من الدستور (تتولى السلطة التنفيذية اتخاذ الخطوات اللازمة لاستكمال تنفيذ متطلبات المادة (58) من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية بكل فقراتها. وهنا لابد من الإشارة إلى عدة ملاحظات تضمنتها المادة (58) من قانون إدارة الدولة وهي:

أ‌) بقول في الفقرة (أ) من هذه المادة (تقوم الحكومة العراقية الانتقالية… من أجل رفع الظلم الذي سببته ممارسات النظام السابق والمتمثلة بتغيير الوضع السكاني…. وتوطين الأفراد الغرباء عن المنطقة، و…) إن مصطلح (الأفراد الغرباء) يفتقر الى النضوج الوطني ويحمل معاني مختلفة لا اريد الدخول في تفاصيلها هنا، وهؤلاء (الغرباء) هم عراقيون من حيثما قدموا ومن أية قومية كانوا، فهل يجوز مثلا إطلاق هذا الوصف على وجود عدد من العراقيين (الكرد أو التركمان) في بغداد مثلا؟ هذا من ناحية الشكل، أما من ناحية المضمون فالمادة (58) من قانون إدارة الدولة (بكل فقراتها) تتناقض مع الفقرة (ج) من المادة السادسة عشرة من قانون إدارة الدولة التي تنص على أن (للمواطن العراقي الحق الكامل غير المشروط بالتملك في كافة أنحاء العراق بلا قيود) وبالاستناد الى هذه المادة تعد المادة (58) من قانون إدارة الدولة باطلة لتنافي محتواها مع المادة (16) من نفس القانون وتنافيها مع أبسط الحقوق والحريات التي أقرها قانون إدارة الدولة والدستور العراقي من بعده، كما تعد المادة (140) باطلة أيضا لاستنادها على المادة (58) من قانون إدارة الدولة.

 

ب‌) يقول المشرع في الفقرة (4 من الفقرة أ من المادة 58): (اما بخصوص تصحيح القومية…. السماح للأشخاص المتضررين بالحق في تقرير هويتهم الوطنية وانتماءهم العرقي بدون إكراه أو ضغط)، وفي هذه الفقرة تم الخلط بين (تصحيح القومية) و(الهوية الوطنية).

 

ج‌) يقول المشرع في الفقرة (ب من المادة 58) من قانون ادارة الدولة (لقد تلاعب النظام السابق ايضا بالحدود الإدارية وغيرها… وعلى الرئاسة والحكومة العراقية الانتقالية تقديم توصيات… لمعالجة تلك التغييرات غير العادلة…) والسؤال هنا: وفق أي اعتبار أو مقياس أو سند قانوني يمكن إجراء هذا التصحيح؟ ولماذا تم تحديد حقبة البعث وما فعله في كركوك، لماذا لم يتم الاعتماد على إحصاء عام 47 أو 57 سبيلا لمعرفة حقوق الناس وأحقيتهم، مع أن سكن أي شخص لمدة خمس سنوات في أية بقعة من العالم يعطيه الحق بالتملك لأغراض السكن دون أن يكون عرضة لتهديد سكنه ووضعه الاجتماعي، فما بالك أن تكون مدة إقامته ثلاثون عاما وفي بقعة ما من وطنه، تتصارع عليها أطراف سياسية مختلفة بدواعي قومية مختلفة.

 

د‌) يقول المشرع في (الفقرة ج من المادة 58) من قانون ادارة الدولة (تؤجل التسوية النهائية للأراضي \”المتنازع عليها\”… أخذا بنظر الاعتبار ارادة سكان تلك الاراضي) ويبرز هنا سؤال مهم: هل كان ثمة \”نزاع\” مجتمعي بين أهالي كركوك في ما بينهم على اختلاف انتماءاتهم العرقية؟ وإذا لم يكن هناك \”نزاع\” الا يؤشر ذلك أن \”النزاع\” قد تم خلقه بإرادة وتخطيط وعمل أحزاب سياسية تلعب على وتر الانتماءات العرقية دون \”إرادة سكان تلك المناطق\”؟ وإذا ما تركنا هذا السؤال وسألنا بدله، ما ذا يمكن أن يحدث إذا كانت منطقة ما تحت إدارة الحكومة المركزية اذا كان في ذلك ضمان للسلم الأهلي؟ الم يشارك الجميع في بناء النظام الجديد الذي من المفترض انه يضمن ما يمكن أن تضمنه اي حكومة – إقليمية كانت أم محلية – لأبناء إقليمها أو محافظتها؟ ألا يؤشر الإصرار على إلحاق هذا الجزء أو ذاك بهذا الإقليم أو تلك المحافظة على وجود نزعات غير معلنة تقف بالضد من المشروع الديمقراطي والفدرالي للعراق؟

 

يقول في المادة (142) رابعا (يكون الاستفتاء على المواد المعدلة ناجحا، بموافقة اغلبية المصوتين، واذا لم يرفضه ثلثا المصوتين في ثلاث محافظات او أكثر) وهذا يخالف أبسط شروط مقومات الديمقراطية، وأنا لا أعني – كما هي حال واضعي هذه المادة – إن الأغلبية المقصودة هنا هي أغلبية شيعية أو سنية، او عربية أو كردية، بل أعني أن الأغلبية قد تكون إرادة (الراغبين) ببناء دولة مدنية عمادها (المواطنة) التي تستند على (الدستور والقانون) وليس على الانتماءات الأخرى التي أسهمت وتسهم في تفتيت عرى التواصل والانسجام بين العراقيين على أسس عرقية ومذهبية كانت سببا رئيسا في دمار البلاد منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة. والسؤال الذي يبرز هنا هو: لماذا تم وضع شرط الثلاث محافظات؟ الا يكفي تصويت الاغلبية؟ أم أن الموضوع يتعلق بإرضاء احد الأطراف على حساب الاغلبية التي ستقررها نتيجة الاستفتاء؟ واذا كان الأمر كذلك واذا كان هذا الطرف لا يريد وربما – لا يستطيع- أن يفكر بمسؤوليته تجاه العراق ككل فهل يجوز أن يقرر ما يتعلق بالعراق ككل أو أن تتاح له الآلية المناسبة لمصادرة رأي الأغلبية لأهداف عرقية أو طائفية أو سياسية؟ 

إقرأ أيضا