كردستان.. هموم التعليم تنذر بتداعيات على أجيال المستقبل

يشهد إقليم كردستان تلكؤا في العملية التعليمية منذ سنوات عدة جراء أزمة الرواتب التي يمر بها الإقليم والإضراب والمقاطعة التي تقوم بها الكوادر التربوية هناك، وهو ما حذر منه تربويون، لافتين إلى أن هذه الأزمات أثرت على مستقبل الطلبة.

ويقول ريبوار خالد، مدير إحدى المدارس الحكومية في السليمانية، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، إن “المعوقات أمام التعليم في إقليم كردستان جمة، فالبنى التحتية قديمة ولا تعيينات للخريجين من قطاع التربية فضلا عن قلة التخصيصات المالية للمدارس”.

ويضيف خالد أن “هناك عدم تفاؤل وفقدان أمل لدى الطالب، من رؤية المستقبل قاتما أمامه”،  مشددا على أن “عدم تعيين الخريجين مشكلة، فالتربية والتعليم تتأثر بالأوضاع السياسية والاقتصادية في الإقليم، والأزمة المالية التي يمر بها أثرت بشكل مباشر على الطلبة، فهو لا يجني ثمار دراسته وتخرجه ولا يجد الوظيفة المناسبة، ما عدا السلك العسكري الذي يعتمد على الواسطة أيضا”.

ويلفت إلى أن “أزمة الرواتب أثرت على أداء المعلمين أيضا، فلم يعد لدى الكثير من المعلمين الرغبة في التدريس في ظل تسلم رواتبهم كل شهرين مرة واحدة، ولم يباشر المعلم عمله إلا في الشهر الحادي عشر في العام الدراسي الحالي، فقد شهدت السليمانية إضراباً وتظاهرات للمعلمين لعدة أشهر”، لافتا إلى أن “إدارة المدرسة لا تستطيع معاقبة أو إجبار المعلم على الدوام”.

ويضيف مدير إحدى مدارس الإقليم، أن “الجهات المعنية يجب أن تعطي المعلم حقه وتطالبه بالواجبات أما في حال عدم صرف الرواتب بالشكل الصحيح فإن المعلم لن يكون قادرا على تأدية واجباته بشكل كامل”، مؤكدا أن “حل مشكلة الرواتب وصرفها بشكل شهري سيحدث تغييرا كبيرا في مسيرة التعليم وأداء المعلمين والمدارس”.

ويشدد خالد على أن “هذه الأزمات ستكون لها تداعيات مستقبلية على الأجيال المقبلة لأنهم محرومون من التعليم، فضلا عن أننا نواجه مصاعب في العملية التعليمية، وهذا لا يؤثر فقط على تحصيلهم الدراسي وتعليمهم إنما على تربية الطلبة بشكل عام”، كما يؤكد على “الحاجة لبناء مدراس جديدة وترميم المدارس القديمة”.

ويواجه العاملون في القطاع الحكومي بإقليم كردستان بما فيهم الفئة التدريسية مصاعب اقتصادية بسبب التوقف عن توزيع رواتب كاملة واحتفاظ السلطات بقسم منها كمدخرات لهم، الأمر الذي دفع لتنظيم سلسلة من الاحتجاجات منذ أعوام وما زالت مستمرة في السليمانية وحلبجة وإدارتي كرميان ورابرين كما أن قسما من المعلمين ما زالوا يقاطعون الدوام الرسمي.

وغالبا ما يتظاهر المدرسون والمعلمون دائما أمام مقرات الحزب الديمقراطي الكردستاني الحاكم في الإقليم، ودعا الحزب المتظاهرين مرات عدة إلى عدم التظاهر أمام مقرات حزبه، غير أنه فشل في ردهم، وقد توسعت هذه التظاهرات حتى وصلت إلى ساحة التحرير في بغداد، كما لم تسلم الطرق الخارجية في الإقليم من القطع أيضا من قبل المحتجين.

من جهتها، تؤكد الكاتبة والباحثة التربوية فوزية صالح، خلال حديث لـ “العالم الجديد”، إن “قطاع التربية والتعليم في الإقليم، يعاني من أزمة حقيقية عميقة، بسبب مقاطعة المعلمين للعمل بداية العام الدراسي في جميع المراحل التعليمية، كما أن هناك أسبابا أخرى سابقة متمثلة في الأزمات التي عاشها الاقليم طيلة العقد الماضي ولعل أبرزها الحرب على الإرهاب، ما أثر على شتى مجالات الحياة في الإقليم والعراق بشكل عام”.

وتضيف صالح أن “المجتمع في كردستان اليوم بات يتكون من طبقتين، إحداها فقيرة والأخرى رأسمالية، والظروف التي مر بها الإقليم كانت لصالح الطبقة الثانية، حيث توجهت لتأسيس وبناء مدارس ومعاهد وكليات أهلية، وذلك من أجل مصالح مالية”.

وتتابع الباحثة التربوية، أن “الأغنياء توجهوا إلى تحويل أبنائهم للمدارس الأهلية، وترك الدراسة الحكومية، وهو ما أدى إلى انخفاض وتباطؤ المستویات العلمیة والمعرفية”، لافتة إلى أن “المعلمين في المؤسسات الخاصة يتم تعيينهم بالعقود وليس بالضرورة أن يكون التعيين على أساس المهنية والمستوى التعليمي لهم”.

وعن أزمة الرواتب والإضراب، ترى صالح أن “مقاطعة المعلمين جعلت قطاع التربية والتعليم على حافة الهاوية، والضحية الأولى هم الطلبة الذين حرموا من تلقي تعليمهم بشكل كاف هذا العام، وهو ما دفع الآباء الواعين إلى إدخال أبنائهم في دورات تقوية حتى يحافظوا على المستوى التعليمي، حيث كانوا يواجهون ضياع العام الدراسي”.

وكانت المحكمة الاتحادية قررت في شباط فبراير الماضي، إلزام كل من محمد شياع السوداني رئيس مجلس الوزراء الاتحادي، ورئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني بتوطين رواتب الموظفين والعاملين في القطاع العام لدى المصارف الاتحادية، وهو ما وجد اعتراضا من قبل حكومة الإقليم، لكنه بدا الموظفون هناك أكثر ارتياحا لهذا القرار.

في موازاة ذلك، يشير المشرف التربوي في محافظة السليمانية أرسلان صلاح خلال حديث لـ “العالم الجديد”، إلى أن “قطاع التربية والتعليم في الإقليم يعاني من جملة مشكلات وعقبات، أهمها قلة الكادر التربوي والتعليمي في عدة اختصاصات، فمنذ 2014 لم تقم حكومة الإقليم بتعيين الخريجين وهذا يؤدي إلى وجود شواغر في الكوادر تقوم الحكومة بملئها بالمحاضرين”.

كما يتحدث عن “مشكلة الأبنية المخصصة للمدارس، فهي قديمة وتعاني من الإهمال، وغير مناسبة للعملية التربوية، خاصة من ناحية الخدمات من كهرباء وماء ومرافق صحية، وتفتقد للساحات المناسبة لرياضة وقاعات التربية الفنية، والمختبرات العملية والمكتبات”.

وعن توجه الأهالي إلى المدارس الخاصة بدلا من الحكومية، يعزو أرسلان، السبب، في توجه الأهالي للمدارس الخاصة لوجود اهتمام خاص بالطالب من الناحية التعليمية والترفيهية”، معربا عن اعتقاده أن “حكومة الإقليم هيأت الأرضية لوجود مدارس خاصة ليكون هناك إقبال شديد عليها من الأهالي”.

أهالي الطلبة أمام هذه الظروف يواجهون بدورهم عقبات كبيرة في سبيل تأمين دراسة سليمة لأبنائهم، فمنهم من لجأ إلى تقليل النفقات غير الضرورية لتأمين رسوم الدراسة في المدارس الأهلية، خاصة وأن أسعار الدراسة في المدارس مرتفعة.

وتبلغ رسوم الدراسة في المدارس المحلية الخاصة بين 1500 إلى 2000 دولار سنويا، بينما المدارس الخاصة الدولية تتراوح ما بين 3000 إلى 4500 دولار سنويا، وهو ما قد يفوق قدرة الكثير من أهالي الطلبة.

ناز كريم، والدة طالب في إحدى المدارس الخاصة، تقول خلال حديث لـ”العالم الجديد”، إنها قررت تسجيل ابنها في هذه المدرسة لأن التعليم في المدارس الحكومية توقف بداية العام، كما أن البيئة التعليمية فيها غير جيدة فالأبنية قديمة، ووسائل التدفئة في فصل الشتاء شبه معدومة ولا توجد كهرباء في أغلب الأيام”.

وتضيف أن “رسوم التعليم الخاص مرتفعة لكني فضلت أن يتلقى ابني تعليما جيدا على أن يحرم من التعليم حتى وإن كان على حساب مصروفنا اليومي، حيث نلجأ إلى التقشف وتقليص النفقات غير الضرورية في حياتنا من أجل ابني”، مؤكدة أن “المدارس الخاصة تهتم بالطلبة ومستواهم التعليمي، كما أنني أتابع أولا بأول مع معلم الصف لأكون قريبة من ابني ومطلعة على مستواه وتحصيله الدراسي”.

إقرأ أيضا