كل ساعة كأس من النبيذ (1 – 2)

لو كتبت كتاباً عن الكتّاب الذكور المدمنين على الكحول, كما فعلت أنا, سوف تُسأل سؤالا واحدا أكثر من أي سؤال آخر: وماذا عن النساء؟ هل هناك كاتبات مدمنات على الكحول؟ وهل أن قصصهن نفسها, أم مختلفة؟ الجواب على السؤال الأول سهل. نعم, بالطبع يوجد, ومن بينهن شخصيات رائعة وقلقة مثل: جين ريس, جين ستافورد, مارغريت دوراس, باتريسيا هايسميث, إليزابيث بيشوب, جين بولز, آن سكستون, كارسون ماكوليرز, دوروثي باركر وشيري جاكسون.. الإدمان على الكحول معروف بين الرجال أكثر منه عند النساء (في 2013, أظهرت إحصائية الـNHS أن 9% من الرجال و4% من النساء مدمنون على الكحول). ومع ذلك, ليس هناك نقص عند المدمنات على الكحول, لا نقص في السقوط بعد الظهر والحفلات الصاخبة التي تمتد بمرح الى أيام.

 

الكاتبات لسن بمأمن من إغراء الزجاجة, ولا الدخول في المتاعب ــ المعارك والاعتقالات, المغامرات المهينة, التسمم البطيء لصداقات وعلاقات عائلية ــ التي تحاصر زملاءهن الرجال. \”جين ريس\” قضت فترة وجيزة في سجن هولواي بتهمة الاعتداء, إليزابيث بيشوب شربت ماء الكولونيا لأكثر من مرة, بعد أن استنفدت إمكانيات خزانة الخمور. لكن هل هناك أسباب مختلفة للشرب؟ وما هي ردة فعل المجتمع, لاسيما في القرن العشرين الثمل, المشحم, العصر الذهبي, إذا كان يمكن أن نطلق عليه, للشراب والكتابة؟

 

في كتابها \”تطبيقات عملية\”، ذكرت الروائية والمخرجة مارغريت دوراس أشياء كثيرة صادمة عن ما معنى أن تكون امرأة وكاتبة. واحدة من تصريحاتها التي لفتت الانتباه عن الاختلاف بين المدمنين الذكور والإناث ــ أو بالأحرى الفرق في نظرة الآخرين لهم. \”عندما تشرب المرأة\” كتبت دوراس, \”كما لو أن حيوانا يشرب, أو طفلا. الإدمان على الكحول فضيحة بالنسبة للمرأة, والأنثى المدمنة على الكحول نادرة ومسألة خطيرة. افتراء مقدس في طبيعتنا\”. وتضيف بأسى صيغة شخصية: \”أدرك أن هذه فضيحة أحطت بها نفسي\”.

 

إنها مدمنة على الكحول, عرفت ذلك من كأس شرابها الأول. أحياناً يمكنها التوقف لعدة سنوات, لكن خلال فترات مخاطر الإكثار من الشراب تبذل قصارى جهدها: تبدأ فور استيقاظها, تتردد في تقيؤ أول كأسين, ثم تبتلع ما يصل الى 8 لترات من نبيذ البوردو قبل أن تفقد الوعي في غيبوبة. \”أنا أشرب لأني مدمنة على الكحول.\” قالت في حوار لها مع صحيفة النيويوركر تايمز في 1991. \”كنت حقيقية ــ مثل كاتبة. أنا كاتبة حقيقية, أنا مدمنة حقيقية. أشرب النبيذ الأحمر لأنام. وبعد ذلك, الكونياك في الليل. كل ساعة كأس من النبيذ. وفي الصباح الكونياك بعد القهوة, وأكتب بعد ذلك ــ ما يدهشني عندما أعود الى الوراء هو: كيف تمكنت من الكتابة؟\”.

 

المدهش أيضاً هو الكم الذي تمكنت من كتابته, وكم كان رائعاً, يحلق بهدوء فوق ظروف قاسية من الإنتاج. كتبت دوراس عشرات الروايات, من بينها \”The Sea Wall\”, \”Moderato Cantabile\” و\”The Ravishing of Lol Stein\”. عملها أنيق, تجريبي, حماسي, جميل ومذهل بصرياً ــ الهلوسة في استغاثتها بالحواس, قوة إيقاعها. الرائدة في الرواية الحديثة استغنت عن أعراف الشخصية والحبكة, الأثاث الثقيل للرواية الواقعية, وفي نفس الوقت حافظت على الصرامة الكلاسيكية على ما أعتقد ــ وضوح الأسلوب نتج عن إعادة صياغة الوسواس القهري.

 

تميّزت طفولة دوراس بالخوف, العنف والخجل: سلسلة شائعة كافية في طفولة ونشأة المدمن. ولدت باسم مارغريت دونادو (دوراس اسم مستعار) في 1914 فيما كان يُعرف آنذاك سايغون (الفيتنام) لأبوين فرنسيين, كلاهما معلمان. عندما كانت في السابعة, توفي والدها وترك الأسرة في فقر مدقع. ادخرت والدتها المال لسنوات من أجل شراء مزرعة, لكن, تم خداعها في السعر واشترت أراضي تغمرها مياه البحر بانتظام. كل من أم مارغريت وشقيقها الأكبر كانا يضربانها, تتذكر صيد الطيور في الغابة لطبخها وأكلها, والسباحة في النهر المليء بجثث مخلوقات متنوعة غرقت في المنبع. في المدرسة, كان لديها علاقة جنسية ــ بتشجيع من أهلها على ما يبدو لأسباب مالية ــ مع رجل صيني مسن. فيما بعد, في فرنسا, تزوجت, وأنجبت طفل من رجل آخر, أخرجت الأفلام, وعاشت وكتبت بكثافة وبتفكير عزباء. ساء إدمانها على الكحول مع مرور الوقت, تتوقف وتبدأ من جديد, وتنجح في جذبه, حتى سن الـ68 عندما تم تشخيص أصابتها بتليف الكبد واضطرت عندها للتوقف تماماً ــ تجربة مرعبة ــ في المستشفى الأمريكي في باريس.

 

أكثر الكتّاب لا يتمكنون من الاتزان وأولئك الذين يعانون غالباً من انخفاض الإنتاج, الوصايا ليست كثيرة فيما يخص قدرة الكحول كمنشط إبداعي ودورها في تدمير وظيفة الدماغ, طمس الذاكرة ولعب دور الخاسر مع القدرة على صياغة وتفسير الفكرة على سكير سابق. لكن دوراس كتبت واحدة من أفضل وأشهر رواياتها بعد سنتين من توقفها عن الشرب. عاشق يروي قصة فتاة فرنسية عمرها 15 عاماً في الهند الصينية يقيم علاقة مثيرة معها ــ نعم ــ رجل صيني مسن. الغالبية العظمى من الكتاب مستمدة من العنف والتدهور الذي نشأت فيه دوراس.

 

الإصدارات التي نُشرت لاحقاً بينت أنها كانت قادرة على العودة مراراً وتكراراً إلى ذلك المشهد الرئيسي من الطفولة, إعادة رسمه في تشكيلة غير محدودة من الألوان: مثيرة رومانسية أحياناً, وحشية وبشعة أحياناً أخرى. رواية نفس القصص, العودة مرة بعد أخرى إلى الموضوع الذي تعرف أنه دمرها: هذه الأفعال المتكررة, بعض التوالد وبعض العمق المدمر, جعل الناقد ادموند وايت يتساءل فيما إذا كانت دوراس ليست في قبضة ما أسماه فرويد الإكراه المتكرر: \”تعرّفتُ عليه, الرغبة في أن تقتل. أعلم أنه موجود.\” قالت في حوار معها ذات مرة, هذه الكثافة, الرؤية المطلقة والعنيدة, هو الذي جعل عملها منفرداً. في نفس الوقت, هذه الجملة تبدو كما لو أنها سلطت الضوء على الكيفية التي تستخدم بها الكحول: كوسيلة تمنحها ماسوشيتها الخاصة, تصورها عن الانتحار, في حين أن تحذير نفسها من الوحشية كانت تراه في كل مكان, يملأ العالم.

 

طفولة دوراس الرهيبة تثير مسألة الأسباب, ما يسببه إدمان الكحول, وماذا إذا كان مختلفاً بالنسبة للرجال والنساء. الإدمان على الكحول ينتقل بالوراثة بنسبة 50%, مسألة استعداد وراثي, وهذا يعني أن العوامل البيئية مثل تجربة الطفولة والضغوط الاجتماعية تلعب دوراً كبيراً.

 

الاختيار من بين سيرة حياة الكاتبات المدمنات على الكحول, يجد المرء مرة بعد أخرى نفس التاريخ العائلي الكئيب في حياة زملاءهن الذكور, من إرنست همنغواي إلى ف. سكوت فيتزجيرالد, ومن تينيسي وليامز الى جون شيفر.

 

إيزابيل بيشوب مثال جيد. كان العديد من أفراد أسرتها مدمنين على الكحول ومن بينهم والدها, الذي توفي عندما كانت في المهد. حياة بيشوب كانت مشوهة بذلك النوع من الخسارة وعدم الأمان الطبيعي الموجود غالباً في تاريخ الإدمان العائلي, عندما كانت في الخامسة دخلت أمها مستشفى الأمراض العقلية. لم ترها مرة أخرى على الإطلاق. كانت بيشوب تتوزع بين العمات, طفلة قلقة, كطالبة في كلية سميث للبنات في ولاية ماساشوستس, اكتشفت بامتنان استخدام الكحول كمزلق اجتماعي, لم تدركه إلا بعد فوات الأوان, بعد أن أصبح مصدر قوي للعار, والعزلة في حد ذاتها. 

 

في قصيدة \”السكير\”, استخدمت بيشوب حوادث من حياتها لخلق صورة ساخرة عن مدمن الكحول, تحمست لتوضيح عطشها غير الطبيعي \”كنت قد بدأت, أشرب وأشرب ــ ولم أرتوِ.\” يعترف الرواي, بيت يشير الى جملة جون بيريمان الصريحة: \”الجوع كان يسير معه, / النبيذ, السجائر, الخمور, الحاجة, الحاجة, الحاجة\”.

 

العار كان واحداً من الدوافع الرئيسة لشرب بيشوب: الأول, العار الباطني الذي حملته معها بيشوب من طفولتها وفيما بعد, العار الذي أعقب سهراتها المروعة. ثم كان هناك أيضاً مسألة الهوية الجنسية. مثلية في فترة كان فيها الشذوذ الجنسي غير مقبول أو معترف به, وجدت بيشوب حريتها العظيمة في البرازيل, حيث عاشت مع شريكتها الأنثى, المهندسة لوتا دي ماسيدو سواريس. أمضت هناك أكثر سنواتها سلمية وإنتاجاً, على الرغم من أنها وصديقتها كانا يعشقان السُكر, تتبعه معارك لا مفر منها وحيرة, وتراجع مخيف في الصحة البدنية.

 

العار هو عامل أيضاً في حياة باتريسيا هايسميث, التي ولدت في ماري باتريسيا بلانغمان في 1921, لقبها تذكار غير مرحب به لرجل انفصل عن والدتها قبل ولادتها بـ9 أيام. لم ترحب بنفسها تماماً. أمها كانت تسكر بزيت التربنتين لأربعة أشهر, على أمل أن تجهضها. \”مضحك أن تعشق رائحة زيت التربنتين, بات\” قالت فيما بعد. هذه النكتة القاتمة تُذكر بـشيفر, التربنتين استخدمه والداه أيضاً لإجهاضه. ومثل شيفر, على أي حال, كانت شجاعتها في مواجهة اتجاه رغباتها الجنسية, على الرغم من أنها سعيدة بذلك أحياناً, وأحياناً أخرى يتملكها شعور مقلق من الانحراف, من التعارض مع طبيعة المجتمع.

 

كانت طفلة قلقة, تشعر بالذنب, كئيبة ــ حزينة في كلماتها. في الثامنة كانت تتخيّل بأنها تقتل زوج أمها ستانلي, وفي الثانية عشرة كانت منزعجة من الشجار العنيف بينه وبين أمها. في ذلك الخريف, أخذتها أمها الى تكساس, قالت لها بأنها ستنفصل وتعيش في الجنوب مع بات وجدتها. لكن بعد أسابيع قليلة لهذه اليوتوبيا الأنثوية, عادت السيدة هايسميث الى نيويورك, وتخلت عن أبنتها دون تفسير. تركتها لعام بائس. باتريسيا, لم تشعر بالخيانة, واعتقدت أنها قد رُفضت شخصياً.

 

بدأ إدمانها على الشراب عندما كانت طالبة في كلية بارنارد في نيويورك. كتبت في يومياتها في الأربعينيات عن اعتقادها بأن الشراب ضروري للفنان لأنه صنعها \”انظر الى الحقيقة, البساطة, وعواطف الطفولة مرة أخرى.\” بعد عشر سنوات, وصفت الأيام التي كانت تذهب فيها الى الفراش في الرابعة بعد الظهر مع زجاجة من النبيذ قبل أن تضع جانباً سبعة من المارتيني وكأسين من النبيذ. خلال الستينات, احتاجت الى الشراب لكي تستمر وكان لها مثل عين مفتوحة في الصباح, كذبت بشأن شربها وكذبت أيضاً في جميع التفاصيل الصغيرة والكبيرة ــ حول كونها طباخة وبستانية جيدة, على الرغم من أن حديقتها كانت جافة العشب في ذلك الوقت وغالباً ما كانت تعيش على الحبوب والبيض المقلي.

 

ذهب الكثير من مشاعرها وتصرفاتها في أعمالها, مررتها بسلاسة في معظم شخصياتها المعروفة. توم ريبلي ليس سكيّرا دائماً، لكنه يشترك مع المدمنين على الكحول بجنون الشك والاضطهاد, شعوره بالذنب وكراهية الذات, حاجته الى طمس أو ترك فراغه المؤلم, نفسه الواهية. هو منقسم أو منزلق الى الآخر, الأكثر راحة, تجانساً, بالرغم من أن هذا في حد ذاته مخزٍ وغالباً ما يُمثل دافع لقتلٍ طارئ أو مروع في كتاباته. في الحقيقة, موهبة ريبلي بالكامل في كونه قاتلا يحاكي الإدمان على الكحول الذي يمثل الدافع وراء الحاجة الى تكرار مستمر لنشاط من أجل إخماد المعاناة التي سببها ذلك النشاط.

إقرأ أيضا