لتجاوز أزمة الكهرباء.. ما إمكانية حصول العراق على مفاعل نووي؟

في تصريح مفاجئ، أبدت روسيا استعدادها لمساعدة العراق في تطوير قدراته النووية لأغراض سلمية، منها…

في تصريح مفاجئ، أبدت روسيا استعدادها لمساعدة العراق في تطوير قدراته النووية لأغراض سلمية، منها توليد الكهرباء، وهو ما عده خبراء في الطاقة ممكنا من الناحية العملية، لكن خبيرا اقتصاديا حذر من خطورة مثل هكذا مشاريع على الرغم من انخفاض كلفها التشغيلية، بينما توقع متخصصون بالشأن السياسي عدم سماح واشنطن بحدوث تعاون كهذا.

ويقول الخبير في شؤون الطاقة محمد هورامي خلال حديث لـ”العالم الجديد”، إن “العراق كان يمتلك بنى تحتية وكادرا نوويا متدربا في فرنسا وروسيا ودول أخرى، ولكن هناك شروطا روتينية لاستخدام الطاقة النووية، إذ يجب أن تمر بمراحل عدة حتى يمكن استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية ومنها توليد الكهرباء”.

وكان مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بوزارة الخارجية الروسية، ألكسندر كينشاك، ذكر في تصريح نشرته وسائل إعلام روسية، أمس الجمعة، أن موسكو أبدت استعدادها لمساعدة الشركاء العراقيين في مجال استخدام الطاقة النووية لأغراض تتصل بإنتاج الكهرباء وتوريد النظائر المشعة وأيضا تعليم العراقيين في مؤسسات التعليم العالي المختصة الروسية”، مشيرا إلى أن “روسيا مستعدة لتنفيذ مشاريع مشتركة كبيرة في هذا المجال”.

ويوضح هورامي، أن “من بين تلك الشروط تشكيل لجان من الوزارات المعنية مثل وزراة العلوم والتكنولوجيا والجامعات ووزارة الصحة للتوقيع على العقود الخاصة بهذا الموضوع”، لافتا إلى أن “سلطات الأردن والإمارات قطعت شوطا مهما في مجال توليد الكهرباء من الطاقة النووية، حيث شغلتا الوحدة الثانية، بينما تسعى روسيا وتركيا إلى تشغيل الوحدة الأولى في غضون سنة”.

ويضيف أن “كل وحدة أو توربين من توربينات الطاقة النووية تولد نحو 1300 ميغاواط من الكهرباء بشكل مستمر”، مشيرا إلى أن “الكهرباء المنتجة نوويا أرخص وأنظف من الكهرباء التقليدية، التي تعمل بالنفط والغاز، أو حتى المنتجة من الطاقة الشمسية، لأن كمية صغيرة من اليورانيوم تكفي لتشغيل التوربين لمدة سنتين، والعراق غني باليورانيوم”.

ويبين أن “الكهرباء النووية لا تغني في البداية عن الكهرباء التقليدية، لكن ذلك ممكن إذا ما استمر تطويرها، ففرنسا تعتمد حاليا بنسبة 60 إلى 70 بالمئة على كهرباء الطاقة النووية”، موضحا أن “المدة الزمنية لبناء وحدات التوليد ليست ثابتة وتتبع بنود العقد والمراحل التي يتضمنها، ولكنها على العموم مدة طويلة”.

ويتابع الخبير في شؤون الطاقة، أن “موضوع تأسيس العراق منشآت نووية للأغراض السلمية ممكن التطبيق لو أن الحكومة بقيت مصرة على ذلك وجادة فيه”، مؤكدا أن “روسيا من الدول المتقدمة في هذا المجال، والتعاون معها بهذا الشأن سيكون مفيدا”.

وتعاني أغلب المحطات الكهربائية في العراق من التقادم، ولجأ العراق إلى استيراد الطاقة الكهربائية من إيران، ويحصل بصورة دورية على استثناء من العقوبات الأمريكية المفروضة عليها لاستمرار الاستيراد، ودفع في العام 2020 مبلغ 400 مليون دولار لإيران، وهو ما يمثل نصف مستحقاتها عن تصديرها الكهرباء له.

وبشأن التبعات السياسية لتأسيس المنشآت النووية، يفيد أستاذ العلوم السياسية خالد عبد الإله، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، بأن “العراق وبعد خروجه من البند السابع وتسديد تعويضات الكويت أصبح دولة ذات سيادة كاملة، بغض النظر عن معنى السيادة الذي يناقش اليوم في ما يتعلق بالتدخلات التركية وغيرها”.

ويلفت عبد الإله، إلى أن “من حق العراق أن يقدم طلبا بشأن إنشاء مفاعل نووي لتوليد الكهرباء والأغراض السلمية بالتعاون مع روسيا، ولكن المشكلة أن بعض الدول الأوروبية بدأت توقف العمل بالمحطات النووية لإنتاج الكهرباء لما تنطوي عليه من مخاطر”.

ويضيف أن “العراق يمتلك ثروات نفطية وغازية، والطاقة النظيفة مطلوبة اليوم بغض النظر عن دوافع روسيا لطرح فكرة مساعدة العراق في تطوير أنشطته النووية”، مستبعدا أن “تسمح واشنطن بتعاون بين العراق وروسيا في مجال الطاقة النووية، فهي ستعمل على عرقلة هذا التعاون كما عرقلت التعاقد مع شركة سيمنز (الألمانية) أو إبرام الاتفاقية مع الصين”.

وكان رئيس هيئة السيطرة على المصادر المشعة العراقية كمال لطيف أعلن، في 10 حزيران يونيو 2021، أن العراق يجري محادثات مباشرة مع روسيا وكوريا الجنوبية لدراسة خيارات بناء ثمانية مفاعلات نووية قادرة على إنتاج نحو 11 غيغاواط من الطاقة بتكلفة 40 مليار دولار.

وترتبط هيئة السيطرة على المصادر المشعة العراقية ارتباطا مباشرا بمكتب رئيس مجلس الوزراء، كونها هيئة مستقلة تأسست عام 2004، وتضم لجنة تشكلت في عام 2020 بعد قرار مجلس الوزراء لبناء مفاعلات نووية للأغراض السلمية متخصصة بإنتاج الكهرباء.

في حين، لا يبدو الخبير الاقتصادي نبيل جبار، متحمسا لهذا الخيار في توفير الطاقة، بالقول إن “العالم بدأ يتخلى عن إنتاج الكهرباء عن طريق الطاقة النووية بسبب المخاطر الكبيرة”، منوها إلى أن “كهرباء الطاقة النظيفة تتميز بانخفاض الكلفة التشغيلية، على العكس من الكهرباء المعتمدة على الوقود الأحفوري كالنفط والغاز”.

ويشير جبار خلال حديث لـ”العالم الجديد”، إلى أن “حجم الإنتاج في محطات الطاقة النووية يتراوح بين 3000 و5000 ميغاواط لكل محطة، وهذا مقدار كبير مقارنة بالمحطات التقليدية، ولكننا عندما نتحدث عن الجدوى، فلا يجب التفكير بالمال فقط، وإنما النظر إلى مدى استقرار البلد، لأن إنشاء هكذا مشاريع في بلد غير مستقر يشكل مخاطرة عالية”.

ويبين أن “العراق ينفق سنويا على الكهرباء نحو 7 مليارات دولار ككلفة تشغيلية لإنتاج 20 ألف ميغاواط، وهذا يعني أن الميغاواط الواحد يكلف الحكومة سنويا نحو 350 ألف دولار، أما المحطة النووية الواحدة فتنتج 5 آلاف ميغاواط بينما كلفتها التشغيلية لا تتجاوز 100 مليون دولار، أي إنتاج 20 ألف ميغاواط من الطاقة النووية سنويا يكلف 400 مليون دولار تشغيليا كحد أعلى، بدلا من 7 مليارات، وهذا فرق كبير جدا”، لافتا إلى أن “كلفة المحطات النووية عالية رأسماليا لكنها منخفضة تشغيليا”.

وبحسب تقارير رسمية، يحتاج العراق نحو ثمانية مفاعلات نووية لتغطية حاجته من الكهرباء بين عامي 2030-2035، وهذه المفاعلات تغطي فقط 40 إلى 45 بالمئة من طاقة العراق، أما الباقي فيتم تغطيته من خلال النفط والغاز والطاقات المتجددة.

ومنذ العام 2003 ولغاية اليوم، لم تشهد الطاقة الكهربائية في العراق أي تحسن ملحوظ، وفي كل صيف تتجدد التظاهرات في مدن الوسط والجنوب، احتجاجا على تردي تجهيز الطاقة.

كما أن ملف الكهرباء أثار الجدل خلال إقرار الموازنة الاتحادية لعام 2021، حيث تضمنت تخصيصات “كبيرة” لصيانة المحطات، وبحسب أحد النواب، فقد تم رصد “هدر كبير” بأموال الصيانة منذ عام 2005 ولغاية العام الماضي.

إقرأ أيضا