مدنيون

يتساءل البعض عن جدوى وجود ثلاثة من ممثلي التيار المدني الديمقراطي في البرلمان. ما الذي يمكن أن يفعله هؤلاء وسط تلك الغابة من التحالفات الخفية والمعلنة والصراعات والمهاترات المتبادلة؟ من سيستمع الى أصواتهم وسط تلك الضوضاء والفوضى التي تصل حد تبادل الكلمات المقذعة والتشابك بالأيدي؟ وهل صغر حجمنا حقا الى نسبة واحد بالمائة من التمثيل البرلماني؟

 

طبيعي ان مثل هذه النسبة لا تمثل حجم المدنيين الديمقراطيين في المجتمع، انما هي حكاية قانون الانتخابات والتلاعبات وكل تلك التفاصيل التي ما عادت خافية على أحد. إلا أن الاشكالية تكمن في اختزال التيار المدني الديمقراطي بمرحلة الانتخابات البرلمانية، وهي مجرد جزء من نشاط هذا التيار الذي يمثل في العراق حركة مجتمعية أصيلة وممتدة منذ تأسيس الدولة العراقية. إن محاولات تضييع صوته وسط الاصوات العالية لأمراء الحرب ومشعلي الفتن لا تلغي وجوده.

 

هناك مثل موصلي قديم يقول \”يعطي من الضعف قوة\” يضرب لمن وصل به الصبر منتهاه فانقلب على نحو مفاجئ. أحسب ان هذا المثل يقترب من اكتشاف عفوي مبكر لنظرية الكم والكيف، إذ ما إن تظن أن طرفا ما قد بلغ مبلغه من الضعف أو الإحباط أو قلة الحيلة حتى يدهشك بانتقالة مفاجئة الى موقع القوة أو الهجوم.

 

كذا الأمر مع المدنيين الذين بدوا لنا منكمشين إزاء أجواء القتال والعسكرة وانتشار الميليشيات المسلحة في الشوارع وتناحر الفرقاء السياسيين وعجزهم الفاضح، لنفاجأ في الأسبوع الماضي بتحركين لقوى مدنية تتصدى بشجاعة للمشهد السياسي المفزع.

 

كان أول هذين التحركين صدور بيان عن النخب النجفية اتسم بجرأة لافتة في تشخيص الخلل واقتراح حلول غير تقليدية للخروج من المأزق الخانق. ويكتسب هذا التحرك أهمية مضافة لأنه فعل مدني صرف يخرج بالذات من مدينة هي منارة للفقه ظن البعض انها قد تخلت عن دورها الذي عرفت به، وانها غدت منغلقة غير قادرة على طرح آراء جريئة خارج الصندوق لتتجاوز بها المسلمات السياسية الفارغة عابرة الى آفاق أكثر رحابة وواقعية.

 

وجاء التحرك الثاني عبر بيان لتسعين منظمة مجتمع مدني حمل تسمية \”المبادرة المدنية\” التي أطلقت تحت شعار تحقيق السلم الأهلي والمجتمعي لدحر الإرهاب وضمان بناء الدولة المدنية الديمقراطية. وجاءت هذه المبادرة لتدحض الفكرة السائدة من أن منظمات المجتمع المدني لا تعدو أن تكون هياكل فارغة، فهناك تسعون منها ليست كذلك.

 

من المؤكد أن هاتين المبادرتين سوف يتبعهما حراك مدني ناشط يقف في مواجهة كل المنتفعين من المأزق الراهن واللاعبين على حبال الانتهازية، وهم كثر. ومن أجدر من المدنيين في الدفاع عن قيم المواطنة في وجه هجمة ظلامية شرسة تريد ان تمحو من خارطة العالم بلدا اسمه العراق؟

 

أرجوكم، لا تقولوا بعد اليوم ان نسبة المدنيين الديمقراطيين هي واحد بالمائة.

إقرأ أيضا