مشاهير عراقيون مجهولون

الشهرة تجعل من الشخصيات المغمورة شخصيات عامة Public Figures وهي كفيلة بأن تجعل من الأسماء المجهولة شخصيات مهمة يتردد ذكرها على كل لسان، فتلاحقهم الكاميرات وتترصدهم وسائل الإعلام، حتى لا يتركون صغيرة ولا كبيرة من حياتهم إلا أحصوها.

 

أما في العراق فلا تتعامل الصحافة مع المشاهير بهذه المقاييس، ولا تترصد أقوالهم وأفعالهم ولا تحركاتهم ومواقفهم كما يفعل الإعلام في الغرب، بل يتصرف الإعلاميون العراقيون مع الشخصيات العامة بشكل معكوس، فهم لا يسألونهم عن تصريحاتهم ما خلفياتها، ولا عن مواقفهم ما أبعادها، ولا يجرأون على فتح ملفاتهم القديمة ولا الحديث عن تاريخهم، ولا خططهم المستقبلية، يكفي أن تكون مشهورا في العراق، حتى تحاط بهالة من الغموض، وبجيش من الحمايات والحجّاب، والحواشي والمكاتب الإعلامية الوهمية التي لا تُعلمك شيئاً عنهم.

 

100% من الشخصيات العراقية السياسية (الشخصيات العامة) غير معروفة التاريخ، ولا أحد في الإعلام يجرؤ على الحديث عن طفولتهم أين وكيف قضوها، وعن تعليمهم ومدارسهم ومستوياتهم فيها، وعن هواياتهم، وأماكن سكناهم، وأصدقائهم والكليات التي تخرجوا منها، وأساتذتهم، والعوائل التي تصاهروا معها، بل ولا حتى الحديث عن الأعمال التي امتهنوها، والمواقع التي شغلوها حتى وصلوا إلى جوازاتهم الديبلوماسية.

 

الصحافة سؤال، وإن انعدم السؤال ماتت الصحافة، ليس الأسئلة الخمسة التقليدية التي تصاغ منها القصة الخبرية News Story وحسب، بل إن كل تقرير يكتب لوسائل الإعلام إنما هو مجموعة من المجاهيل التي تثير الأسئلة التي تبحث عن إجابات تتكامل لتشكل عدداً من المعلومات والإضاءات التي نحن بأمسّ الحاجة إليها، فإذا تخلت الصحافة عن هذا الدور فمن أين يأخذ الناس معلوماتهم، سوى من أدوات التضليل ووسائل الدعاية، وطرق الشائعة والحرب النفسية!

 

في العراق الذي لا ينقاس عليه، تبدو الشهرة مهمة كغيرها من البلدان، ولكنها شهرة ممكنة وفي غاية السهولة، فليس على طالب الشهرة إلا أن يصل إلى موقع إداري في الدولة، أو أن يظهر للناس في قنواتهم الفضائية، لينال ملايين اللايكات على فيسبوك، وملايين الدولارات على أرض الواقع، فالظهور في الإعلام يعني في العراق الأهمية ويضمن الشهرة، وعلى أساس ذلك تتعامل معك \”الكتل السياسية\” ويتعامل معك الإعلام، والقضاء، وشركات الطيران. وعلى أساس ذلك يوجه \”المشاهير\” الإعلام الذي أسهم في صناعته، وأكسبه شهرته، ولو بثمن بخس.

 

أن تكون وجها إعلاميا، يعني أن تكون مشهورا، يعني أن تكون شخصية عامة، يعني أن تكون ذا حصانة من النقد، يعني أن تكون فوق القضاء، وفوق مستوى شعبك، وفوق كل ذلك ستكون بمنأى عن الأسئلة الصحفية التي تضيء حياتك وتاريخك وشخصيتك، ولهذا بات على الإعلام والمؤسسات الإعلامية أن تثقف Educate أعضاءها وكوادرها بثقافة السؤال، وبمفهوم واجب الوصول للمعلومة Duty of Access to Information، فقد شبع العراقيون وضاقوا ذرعاً بمئات الآلاف من الأسماء المفرغة والمجهولة التي تسيطر على مراكز القرار، وتحدد هوية البلاد وسياساتها، فبمقدار أن يكون الواحد شخصية عامة بمقدار ما على الإعلام أن يزيد من معرفته، والتعريف به، (لا الترويج الدعائي له) فثمة فرق بين أن تستضيف القناة الإعلامية شخصية للتعريف بها، وبين أن تستضيفها لتروج لها دون معلومة حقيقية عنها.

 

اليوم بات على كل صحفي وإعلامي أن يسأل نفسه قبل الحديث عن أي شخصية عراقية عامة: هل أعرف حقاً من هؤلاء المشاهير الذين سأحاورهم؟ هناك سيعلم الجميع كم نحن مخدوعون بشخصيات وهمية مجهولة، لا تحسن شيئا يؤمن لها الشهرة سوى إجادتها رشوة أشباه الإعلاميين ليكونوا أبواقاً لها.

إقرأ أيضا