مصداقية أمريكا في حالة يرثى لها بسبب الأزمة الأوكرانية

روسيا وغيرها من الدول أثبتت أن قادة العالم يمكنهم أن يتحدوا الولايات المتحدة الأمريكية دون دفع الثمن، فالأزمة الأوكرانية كشفت عن فتقار كبير في السياسة الخارجية الأمريكية، كون مصداقية الولايات المتحدة في انحدار مستمر بسبب تسييس أجهزتها الإستخباراتية والكسب من وراء السياسات الرخيصة.

 

مما لا شك فيه إن بداية أزمة المصداقية الأمريكية كانت فيما يخص أسلحة الدمار الشامل في العراق، حيث اعتمد الأمريكيون على معلومات خاطئة، وكانت هذه هي اللحظة التي فقدت فيها المخابرات الأمريكية مصداقيتها ومكانتها على الساحة الدولية، ثم احتلت الولايات المتحدة العراق دون مبرر ولكونه يملك قوة عسكرية واقتصادية في المنطقة، ثم إنها باحتلاله أفرزت واقعاً مأساوياً، وكان حديثها عن تحويل العراق إلى نموذج ديمقراطي يبدو كالسراب، ثم تأزيم الصراع فيه، إلا أن الخسائر اللاحقة بملف أسلحة الدمار الشامل العراقية هي، في الحقيقة، أقل حجماً من الخسائر التي لحقت بأمريكا جراء تجاهلها لحلفائها عام 1994، إذ تعهدت روسيا باحترام السيادة الأوكرانية بمساعدة كل من أمريكا وبريطانيا، وهو ما لم يتحقق فيما بعد، وتلتها الوعود الأمريكية لجورجيا وجمهورية التشيك التي ذهبت هباء هي الأخرى، فضلاً عن الانحياز الرهيب لإسرائيل الذي بسببه تحظى أمريكا بكراهية العالم والعرب بصورة خاصة، ثم إنها تتجاهل القضية الفلسطينية تماماً ولم تنفذ فيها وعودها السابقة كمشروع \”تنيت\” وخطة الطريق وإنشاء دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس، وغيرها من الوعود الزائفة في المنطقة، في حين عمدت إلى تخفيف العقوبات الاقتصادية على إيران وإنشاء استثمارات جديدة فيها بعد سنوات عديدة من العداء بينهما. 

 

ولم يكن الوضع في المنطقة العربية أفضل، حيث نشبت التوترات بينها وكل من مصر والسعودية، كذلك فقدت كل من الكويت والإمارات الثقة بالرئيس الأمريكي، بالإضافة إلى تردد أوباما في توجيه ضربة عسكرية لسوريا بعد أن صرح بها ثم تراجعه عنها، وهذه كلها أدت إلى تداعيات كارثية حول مصداقية الولايات المتحدة في العالم.

 

وفي سياق متصل يجمع المراقبون على ترابط الأزمة الأوكرانية بالخطوات التراجعية التي فرضها صمود سورية وكل من مصر وإيران على وجهة السياسة الأميركية وفشلها المتكرر، ما أدى إلى اندلاع مزيد من الأزمات، فالصفعات المتتالية التي تلقتها الإدارة الأميركية نتيجة سياساتها العدوانية أضافت بعداً جديداً يقيد حركتها ويكشف عدم قدرتها على تهديد الآخر، لاسيما تبني إجراءات معينة لردع التقدم الروسي في المنطقة.

 

وهنا يمكنني القول إن الأزمة الأوكرانية والميل لتوتير العلاقات الأمريكية مع روسيا قد تترك تداعياتها على الإرث السياسي للرئيس أوباما بخلاف النتيجة التي أرادها وسعى بدأب وثبات لتحقيقها، إذ تستمر استطلاعات الرأي والتوجه العام للناخب الأميركي في الإشارة إلى تدني شعبية الرئيس التي انحدرت إلى نسبة 33% لأدائه في مجال السياسة الخارجية.

 

فالحقيقة التي يجب أن ندركها بيقين؛ إن الشعب الأوكراني لم يحصل على الديمقراطية أو الازدهار الذي وعد به الغرب، ولا يرى في وطنه العزيز الآن سوى ارتباك سياسي وركود اقتصادي، كما أصبح الغرب نفسه خاسراً، إذ أن الفشل في أوكرانيا سيؤدي بكل تأكيد إلى تآكل مصداقيته.

 

وأخيراً ربما يمكنني القول إن الولايات المتحدة أصبحت غير قادرة على التعامل مع جميع الأزمات الدولية، في الوقت الذي تلعب واشنطن دور القيادة من المقاعد الخلفية، عن طريق إعطاء توجيهات ومساعدة القوى الأخرى أكثر من تدخلها بشكل مباشر في حل الأزمات، وبالتالي فإن المصداقية الأميركية على المحك، حيث أن الأزمة في أوكرانيا تظهر عدم استعداد أمريكا للوقوف في وجه انتهاك سيادة أي دولة، الأمر الذي ينذر بآثار كارثية في المنطقة.

* كاتب وباحث سوري متخصص في العلاقات الدولية، Khaym1979@yahoo.com

إقرأ أيضا