مقارنة متعسفة بين قاسم والمالكي

المقالة التي نشرها الصديق الباحث مثيم الجنابي في 17 آب، في إحدى اليوميات البغدادية بعنوان (المالكي وعبد الكريم قاسم: نهاية المأساة وبداية المهزلة)، يمكن اعتبارها مهمة لناحية موضوعها ولكنها تنطوي على مقارنة متعسفة بين الرجلين والمرحلتين والبرنامجين السياسيين اللذين تضمنتهما رغم ما يبدو فيها وعليها من تناسق شكلاني.

 

فقاسم (أول رئيس للوزراء في الجمهورية العراقية بعد انقلاب العسكري الذي قاده في 14 تموز 1958 ضد النظام الملكي الهاشمي الدائر في الفلك البريطاني، ثم تحول إلى عملية تغيير ثوري بل و\”ثورة\” بمصطلحات منتصف القرن الماضي) كان جذريا في عدائه للطائفية الاجتماعية والسياسية، وهو أول حاكم عراقي في العصر الحديث، ساوى في النظرة والممارسة السياسية بين العراقيين، واعتبر أبناء الطوائف والإثنيات المهمشة كالعرب الشيعة والأكراد وغيرهم مواطنين من الدرجة الأولى كسواهم من العراقيين وقاسم هو الذي ابتكر معادلة (العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن) والتي وردت في الدستور العراقي المؤقت / المادة الثالثة، وكانت رغم عدم شموليتها للمكونات العراقية الأخرى تقدما مهما آنذاك، ولم تقلل من أهميتها التعقيدات والصدامات التي حدثت لاحقا بين حكومة الجمهورية الفتية والقيادة الكردية.

 

أما المالكي فرغم صبواته \”اللاطائفية\” التي لم يمض بها قدما، بل نكص عن تجسيدها برنامجيا بعد \”صولة الفرسان / آذار 2008\” ضد المليشيات الشيعية في الجنوب وبغداد، فهو في واقع الأمر زعيم حزب طائفي متشدد تكوينيا وسلفي سياسيا وفكريا، وهذه النقطة تمنح الأفضلية في أية مقارنة لقاسم بكل تأكيد وتجعل المالكي وحزبه ونظام حكمه على الطرف النقيض لقاسم ونظامه ومشروعه وممارسته.

 

أما من حيث طبيعة النظامين الجوهرية فثمة أمران: الأول يؤشر على أن نظام قاسم كان وطنيا ومناهضا للإمبرياليات الغربية وبخاصة للاستعمار البريطاني \”القديم\”، وكونه استهدف واستشرف – ولا أقول جسَّد – عملية بناء دولة المواطنة والمساواة، وقد حدثت خلاله أول تجربة اندماج مجتمعي حقيقي في العراق الحديث، رغم أنها بُترت وصُدَّت بعد أربع سنوات تقريبا من حكمه المضطرب عبر الانقلاب البعثي المدعوم غربيا في 8 شباط 1963، وهذه النقطة تسجل أيضا لمصلحة قاسم؛ في حين كان ولا يزال النظام الذي حكم من خلاله المالكي نظاما تابعا بل ونتاجا مباشرا وفظا للإمبريالية الأميركية، تمت برمجته وشيدت ركائزه وأركانه ومؤسساته من قبل الاحتلال الأميركي المباشر، وقام على أساس المحاصصة الطائفية ودستور ودولة المكونات. الأمر الثاني، ويحسب لصالح المالكي نظريا، هو أن نظام قاسم كان فرديا وذا سمات دكتاتورية أفرزه انقلاب عسكري تطور في ما بعد إلى حركة تغيير شعبي ذي أهداف وإنجازات تقدمية أما نظام المالكي فكان شكليا، أكرر \”شكليا\”، نظاما انتخابيا يأخذ بالتداول السلمي للسلطة \”بين مكوناته المتحالفة مع الاحتلال\” ويعترف بالحريات العامة والفردية رغم كل سلبياته الخطيرة المسجلة، ورغم الدستور الملغوم والمرتجل التي يستند إليه ورغم فساد النخب السياسية التي تديره.

 

ولكننا، مع ذلك، يمكن أن نسجل تشابها نعتيا، وبالتالي نجد مبررا للمقارنة بين الرجلين على الصعيد الأخلاقي والسلوكي مع أفضلية واضحة لمصلحة قاسم، فكلا الرجلين كان بسيطا في متطلباته الشخصية بعيدا عن الجشع إلى المال والحيازات والامتيازات ونزيها، مع الإشارة إلى أن المالكي شخصيا رغم نظافة يده في هذه الناحية والتي يعترف بها كثيرون حتى من خصومه، والتي لم يقدم خصومه دليلا ملموسا للقضاء على عكسها حتى اليوم، لكننا لا يمكن أن ننسى، على المقلب الآخر، أنه كان حاميا للفاسدين وكبار اللصوص وخصوصا من حزبه أو طائفته أو كابينته الحكومية وبعض هؤلاء معروف في الإعلام للرأي العام وقد أدينوا من قبل القضاء المحابي للنظام، ثم هربوا بما سرقوا إلى خارج العراق ولا يمكن أن يكونوا قد فعلوا ذلك دون تسهيلات أو في الأقل دون علم ودراية المالكي وأجهزته الأمنية.

 

يمكن أن نمضي بعيدا في المقارنة السالبة أو الموجبة ولكننا سنكتفي بهذا المقدار وننتقل الى محور مضموني آخر من محاور مقالة الجنابي:

ثمة تماثل سجالي طريف وعميق يكشف عنه الكاتب بين الاتهامات التي وجهت للرجلين فقاسم اتهم بالدكتاتورية والتفرد ومحاربة القومية العربية أو \”الشعوبية\”، أما المالكي فاتهم أيضا بالاتهامات ذاتها مع استبدال الشعوبية بالصفوية وهما من ذات المضمون القدحي القائم على تشكيك ذي بواعث عنصرية بولاء المسلمين من غير العرب، ولكن هل يمكن لنا أن ننفي موضوع هذا التماثل كليا فننفي عن الرجلين الدكتاتورية (أفضل استخدام عبارة سمات دكتاتورية بدلا من الدكتاتورية مستحيلة الوجود في الواقع الطبقي غير الأوروبي للدقة العلمية) والفردية؟ لا، قطعا، وخصوصا عن قاسم الذي دفعت به الظروف السياجتماعية وطبائعه الشخصية الى نزوع فردي قوي لا ينكر، أما المالكي فقد دفعته ظروف مماثلة نوعيا، إضافة الى صعوبة الظرف الأمني الدموي، والدور المشؤوم لتصميم الحكم المحاصصاتي الذي رسمه المحتلون وحكم باسمه المالكي، هذا الدور الذي جعل، أو زاد من كون زاعمي تمثيل الطوائف والقوميات مخادعين ومتصارعين وفاقدين للثقة بعضهم بالبعض، إضافة الى طبائعه الشخصية الشكاكة، هو ما دفع المالكي للتفرد بأغلب الصلاحيات والمؤسسات الاستراتيجية وخاصة الأمنية، زد على ذلك تصديقه لسياقات ونتائج اللعبة الانتخابية وما أفرزته من تفوق رقمي كبير لمصلحته ومصلحة ائتلافه السياسي المهيمن على الحكم.

 

في المحور الذي يحلل فيه الباحث الجنابي موضوعة التغيير الكمي في أطراف القوى المعارضة وإشكالية الدولة العراقية لابد لي من الاتفاق تماما مع ما ذهب إليه، مع اعتقادي بضرورة تعميق هذا التحليل وتوسيعه لكنني أقدر أن ذلك لا يمكن أن تتسع له مقالة مناسباتية سريعة ومكثفة كالتي بين أيدينا. غير أن التوصيف الذي يقدمه للوضع العراقي العام والذي يلخصه، وعذرا لطول المقتبَس، بقوله إن (العراق ما زال يقف أمام تيارين متعارضين، الغلبة فيه لحد الآن للقوى الخارجية، والقوى الداخلية.. البنية التقليدية للعائلات والأطراف والهامشية والحثالة)، أي المصدر الموّلد لكل أنواع وأصناف الرذيلة الاجتماعية والسياسية، وبالأخص استعدادها الدائم والتام للخيانة الوطنية. وفي كلتا الحالتين نقف أمام صعود قوى هامشية وظلامية، بهيئة قوى \”قومية\” ليست هي في الواقع سوى قوى هامشية أطرافية جهوية فئوية طائفية مبطنة محكومة بنفسية وذهنية الأقلية. والآن نقف أمام القوى نفسها، بعد أن تعرضت في مجرى عقود من التحكم بأمور البلاد وانحطاطها المادي والمعنوي، إلى قوى سلفية فئوية طائفية علنية وشرسة، لعل مختلف حركات \”المقاومة السنية\” التي بلغت ذروتها الحالية في (داعش)، هو نموذجها الجلي والصريح. الأمر الذي يشير إلى أن العراق لم يتخلص، ولم يقض بعد، على حصان طروادة، أي أداة الغدر والخيانة الوطنية المتمثلة في تيارات العائلة \”المقدسة\” الشيعية، والتسنن البدوي النجدي، والكردي التقليدي، أي القوى الديناصورية نفسها، للبنية التقليدية العراقية. وفي هذا تكمن حالته المأساوية الراهنة ومهزلة واقعه، السياسية، وآفاقه القريبة). أقول إن التوصيف للوضع العام لا يخلو من التعسف التحليلي والميل إلى البلاغة السياسية التي اعتدنا أن لا نجد الكثير منها في كتابات الزميل الجنابي التحليلية. فعلى سبيل المثال لا يمكن لنا أن نسلم بأن تنظيم (داعش) التكفيري هو \”ذورة المقاومة السنية\” ليس لأن هذه المقاومة، رغم أنها جزئية وطائفية من الناحية التكونية، لكنها لم تكن متجانسة تأسيسا، ولأن بعض فصائلها دخلت في صراع تناحري ودموي ضد تنظيم القاعدة السلف المباشر ل(داعش)، وحتى مع (داعش) حاليا، ولأن ثمة العديد من مظاهر التقاطع والاختلاف والتناقض المهمة بين برامج وشعارات وممارسات الطرفين، دع عنك أن هذا الحكم أو التحليل المعياري يهدر ويشطب على وجود أسباب موجبة لقيام معارضة سُنية سلمية تطورت الى مسلحة لأسباب أنتجها واقع حكم المحاصصة الطائفية، وحقيقة وجود مظاهر قوية من الإقصاء والتهميش السياسي والمجتمعي الذي قامت به القوى والمؤسسات السياسية والدينية الشيعية المهيمنة على الحكم.

 

الأمر ذاته يمكن أن نكرره بخصوص علاقة الحكم الحالي بالقيادات الكردية رغم الفارق الكبير بين الطابع الدفاعي للمعارضة العربية السنية، وبين السياق الهجومي المتحدي والمهدد بالانفصال عن الدولة العراقية الذي اعتمدته القيادات الكردية، خصوصا البارزانية ثم خففت منه بعد أن خسرت معاركها الأخيرة في مواجهة تكفيريي \”(داعش)\” في حركة تكتيكية مؤقتة فرضتها ظروف هزيمتها العسكرية عليها.

 

* علاء اللامي: كاتب عراقي

إقرأ أيضا