موسكو صمت دبلوماسي وفاعلية على الأرض

موسكو المنتشية هذه السنوات الاخيرة بحقبة \”فلاديمير بوتين\” المختلفة تماما عن مرحلة \”بوريس يلتسين\” البائسة وقفت بالند للجبهة الغربية بكاملها فيما يتعلق بالملف السوري والايراني، واستطاعت ان تسجل مجموعة من النقاط على حسابهم، فجأة وجدت نفسها امام تحد دبلوماسي كبير، وأهم بكثير من التحدي الذي يمثله، انها اوكرانيا التي تلاصق روسيا من جهة الغرب.

اهمية الملف الاوكراني بالنسبة لروسيا تنبع اولا من زاوية جيوسياسية وتاريخية، وثانيا لان روسيا اليوم تمر بتحوّل سياسي اقتصادي كبير على صعيد الداخل وتنامي الحس القومي من جديد مع وجود شخصية مثل فلاديمير بوتين على هرم السلطة، حرص كثيرا على اظهار نفسه الى الشعب الروسي على انه \”بيتر\” جديد او \”ستالين\” آخر، وكذلك على الصعيد الدولي في محاولة لاسترجاع هيبة روسيا السوفيتية، من هنا فان ذلك الصمت الدبلوماسي الروسي يسبب قلقا كبيرا في الجبهة الغربية وفي الداخل الاوكراني نفسه.

في مؤتمر صحفي مطوّل جدا عقده من مدينة \”روستوف\” الروسية القريبة من الحدود الاوكرانية يوم الجمعة الماضي، هاجم الرئيس الاوكراني المعزول \”فكتور يانوكوفيتش\” بقوة المعارضة الاوكرانية التي استحوذت على السلطة واعتبر ان وصولها للحكم ليس الا انقلاب على الشرعية، وذكر ان الحل الوحيد للازمة الاوكرانية هو فقط من خلال العودة الى الاتفاق الذي عقد في الحادي والعشرين من شباط.

الاتفاق نص على العودة الى دستور العام 2004، اجراء انتخابات رئاسية مبكرة بعد اقرار دستور جديد، تقديم موعد الانتخابات الرئاسية وتغيير هيئة الانتخابات المركزية وفقا لقواعد منظمة الأمن والتعاون في أوروبا.

اهمية المؤتمر الصحفي للرئيس الاوكراني السابق لا تنبع من تأثيره الشخصي او جماهيريته في الشارع الاوكراني، بل يكتسب اهميته ان كان ذلك الحديث موقفا روسيا مرر من خلال يانوكوفيتش، خصوصا وان الموقف السياسي الروسي لا زال يلوث بالصمت بالمجمل العام حتى هذه اللحظة.

نعم لروسيا موقف سلبي مما حصل مؤخرا في كييف لا شك في ذلك/ الا ان موسكو لم تفصح عن موقفها الدبلوماسي الواضح والجلي مما حصل طيلة الايام الماضية! لكن بين ذلك الغموض والصمت الحذر هناك سلسلة من الخطوات قد يفهم منها بشكل عام بوادر ردة فعل كبيرة من قبل روسيا ضد ما حصل في اوكرانيا، حديث الرئيس الاوكراني السابق، تأكيد مندوب روسيا في مجلس الامن \”تشوركين\” بأن افضل الحلول هو العودة لاتفاق 21 شباط، وقبله التحركات الروسية العسكرية في المنطقة الغربية لروسيا، اضافة طبعا الى ما حصل في شبه جزيرة القرم من تحركات لمجموعات عسكرية روسية سيطرت على اهم المفاصل الحيوية في الجزيرة، خصوصا وان لروسيا اسطولا كبيرا في مدينة \”سيفستوبل\” احدى مدن شبه جزيرة القرم.

الملفت انه على الصعيد الاعلامي بدى الموقف الامريكي حيال ما يحصل في اوكرانيا اعلى صدى حتى من الموقف الاوروبي نفسه، وحاول من خلال تصريحات وزير الخارجية كيري والرئيس اوباما ارسال جملة من الرسائل الى موسكو يحذرها من تقويض ما حصل في اوكرانيا، لكن بوتين يعرف قبل غيره ان تلك التصريحات ليست موقفا صلبا، وذلك لان اوكرانيا في حسابات النفوذ والمصالح الاستراتيجية المتفاهم عليها بين القوى الكبرى جزء من الكعكة الروسية، ناهيك عن ان اوباما ليس مستعدا لخوض حرب جديدة خصوصا في اوروبا، لكن ورغم ابتعاد شبح الحرب الدولية حول اوكرانيا الا ان هذه الاخيرة تمثل بلا شك سقفا مرتفعا جدا من الحرب الباردة بين الجبهة الغربية بكاملها وبين الدب الروسي.   

gamalksn@hotmail.com

إقرأ أيضا