موظفو العراق.. “فاتورة” باهظة وتناقض رسمي بالأعداد

أثار تصريح وزير المالية بشأن أعداد الموظفين في العراق، جدلا واسعا، ففيما شكك خبراء بالشأن…

أثار تصريح وزير المالية بشأن أعداد الموظفين في العراق، جدلا واسعا، ففيما شكك خبراء بالشأن الاقتصادي في صحة الرقم الذي أعلنه الوزير وهو سبعة ملايين موظف، استنادا إلى بيانات رسمية أخرى، أكدوا تحول الموظفين إلى “فاتورة” فقط، بما فيهم العاملون في شركات القطاع العام.

ويقول الخبير الاقتصادي نبيل جبار خلال حديث لـ”العالم الجديد”، إن “تصريح وزير المالية بشأن عدد الموظفين في العراق، غير دقيق، فمن المفترض أن يقول عدد الذين يتقاضون رواتب من الدولة عددهم سبعة ملايين، وليس سبعة ملايين موظف، فالموظفون أعدادهم تبلغ نحو أربعة ملايين حسب ما ورد في الموازنة، والمتقاعدون يبلغون العدد ذاته، فمن أين جاء الرقم سبعة ملايين”.

وكان وزير المالية علي علاوي، وخلال مقابلة له مع وكالة الأنباء الرسمية “واع”، قبل يومين، قد قال إن هناك سبعة ملايين موظف يتقاضون رواتب من الدولة.

وحول حجم الموظفين وما إذا كان كبيرا أم لا مقارنة بحجم السكان والوضع الاقتصادي، يوضح جبار، أن “حجم التوظيف الحكومي يختلف من دولة إلى أخرى، فالدول المركزية التي تدير أغلب النشاطات الاقتصادية والوظيفية بشكل مركزي يزداد لديها عدد الموظفين ويشكلون نسبة عالية، أما الدول التي تعتمد على الاقتصادات الحرة والقطاع الخاص الذي يدير العديد من القضايا، تظهر فيها بشكل واضح قلة أعداد الموظفين، وبالتالي فالقضية فيها تفاوت، فهناك معدلات يبلغ فيها حجم الموظفين حتى 20 بالمائة من عدد السكان، وإذا كان في العراق أربعة ملايين موظف، فهو يشكل 10 بالمائة من السكان، وهذا لا يعتبر رقما كبيرا”.

ويتابع أن “المشكلة في هذه الكتلة الوظيفية فهي عاطلة وغير منتجة، ولا تقوم بأدوار حقيقية، فالخلل ليس بعدد التوظيف، فإذا تم التوظيف بالقطاع الخاص أو القطاع العام، فالمفروض أن يكون منتجا، لكن ما يجري هو أن التوظيف في القطاع العام، وهو غير منتج ويعامل كأنه عالة أو فاتورة فقط، فالدولة إذا كانت تملك أربعة ملايين موظف منتج، فمعنى ذلك أن الدولة جيدة”.

ويقسم جبار، أعداد الموظفين بالشكل التالي “يوجد بحدود مليون موظف أمني وعسكري أو أكثر من ذلك، وهناك ما يقارب المليون موظف يعملون بالشركات العامة، وهذه تمويلها ذاتي، وهناك 500 ألف يعملون في وزارتي التربية والصحة، فيما يتوزع العدد المتبقي على المؤسسات الأخرى”، مطالبا بـ”تغيير نشاط المليون منتسب وموظف أمني، فهم يأخذون نسبة مرتفعة من ميزانية البلد، لذا من المفترض أن يكون نشاطهم تشغيليا على غرار تجارب الدول الأخرى”.

ويستطرد “كما أن المليون موظف في الشركات العامة يجب أن يكونوا جميعهم منتجين، فما علاقة هذه الشركات بالدولة لتدفع لهم، إنهم يجب أن يدفعوا للدولة أرباح شركاتهم، أما لماذا لا تعمل أو لماذا هي معطلة، فتلك قضية أخرى وحديثها يطول”.

وكانت هيئة التقاعد العامة، أعلنت في نيسان أبريل الماضي، أن المتقاعدين من شريحتي المدني والعسكري يبلغ مجموعهم الكلي مليونين و500 ألف الذين تدفع لهم رواتب شهرياً فيما يبلغ عدد المتقاعدين الكلي أكثر من أربعة ملايين بينهم المتوقفة رواتبهم، فيما أوضحت أن رواتب المتقاعدين تكون على قسمين، الأول يدفع عن طريق الخزينة العامة، فيما تدفع رواتب المتقاعدين ما بعد عام 2008 عن طريق صندوق تقاعد موظفي الدولة من خلال الاستقطاعات والتوقيفات التقاعدية اثناء وظيفته.

يذكر أن رئيس الجهاز المركزي للإحصاء في وزارة التخطيط ضياء عواد كاظم، أعلن في آيار مايو الماضي عن إدخال ثلاثة ملايين و200 ألف رقم وظيفي إلكترونياً حتى الآن من مجموع موظفي العراق، فيما أكد المتحدث باسم الوزارة عبد الزهرة الهنداوي، في ذات التاريخ أن هناك 500 ألف موظف في الدولة متبق لاكمال الربط الموحد وإطلاق مشروع الرقم الوظيفي في تموز يوليو المقبل.

ويواجه قطاع الصناعة في العراق بشكل عام، تدهورا كبيرا منذ العام 2003 ولغاية الآن، في ظل توقف أغلب المعامل والتوجه للاستيراد، وقد قدر اتحاد الصناعات العراقية قبل سنوات، نسبة المشاريع المتوقفة بـ40 ألف مشروع، ودائما ما تتضمن البرامج الحكومية المتعاقبة موضوعة تنشيط الاقتصاد والصناعة المحلية، لكن دون تحقيق أي وعد، بل تستمر عجلة التبادل التجاري مع دول المنطقة مع إهمال الصناعة المحلية.

وتحولت أغلب شركات وزارة الصناعة، التي كانت تمول ذاتيا عبر انتاجها إلى التمويل المركزي، بعد توقف خطوط الانتاج فيها وتعطيلها لاسباب عديدة، من ابرزها اسباب سياسية، وسبق لـ”العالم الجديد” أن كشفت عن صفقة دمج الشركات لدوافع “خاصة” بجهات متنفذة، فضلا عن تناول الصحيفة في سلسلة تقارير واقع الصناعة في البلد وتدميره.

الى ذلك، يرى الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني خلال حديث لـ”العالم الجديد”، أن “الرقم الذي أعلنه وزير المالية مبالغ فيه وليس صحيحا، فهو ربما دمج عدد الموظفين والمتقاعدين معا، فارقام الموظفين المعلنة أقل بكثير وهي بحدود 4 ملايين موظف، كما أن رقم 7 ملايين موظف لا ينسجم مع نسبة السكان”.

ويؤكد أن “عدد الموظفين يجب أن لا يتجاوز المليوني موظف أو أقل، لكن هناك تضخم بعدد الموظفين مقارنة بعام 2003، فكان العراق فيه نحو 60 ألف شرطي بين ضابط ومنتسب، والان هناك 760 ألف شرطي وضابط بحسب تصريح وزير الداخلية، أي أن العدد تضخم 10 أضعاف”.

ويتابع المشهداني، أن “المشكلة هي أن المؤسسة العسكرية والأمنية تشغل 54 بالمائة من عدد الموظفين مع عجز في بقية المؤسسات والدوائر، حيث يوجد عجز في وزارة الصحة ويوجد عجز في وزارة التربية لانه لا يوجد توزيع عادل للمعلمين والمدرسين والموظفين، حيث أن هناك مدرسة يوجد فيها 50 مدرسا وهناك مدرسة لا يوجد فيها سوى المدير، لذا يجب أن تكون هناك عملية إعادة توزيع لنعرف الفائض، فالعراق ليس بحاجة إلى هذا العدد من الموظفين، حتى رقم 3 ملايين موظف فيه فائض كبير”.

ويكمل حديثه، أن “هناك إحصائية للمتقاعدين تقول إنهم ما بين المدني والعسكري يبلغ عددهم أكثر من 4 ملايين، وهذا التقرير موجود، لأن ذوي المتقاعدين يدخلون في التقرير أيضا، وذلك لأن من يتوفى من المتقاعدين لديه قسم من الأبناء يستحقون الراتب التقاعدي وخاصة البنات غير المتزوجات، وهؤلاء هم من ضخموا أعداد المتقاعدين، حيث تبلغ بحدود مليونين ونصف المليون”.

ويشير المشهداني، إلى أن “الأرقام محيرة، حيث أشار نائب رئيس البرلمان حاكم الزاملي قبل أيام، إلى أن هناك 11 مليون شخص يتقاضى راتبا من الدولة، والمشكلة هي غياب الشفافية في هذه الأرقام ولا يوجد رقم صحيح، حتى الأرقام أعلاه تخمينية”.

وبشأن آليات الحد من إثقال كاهل الدولة، يؤكد المشهداني “لدينا شركات منتجة، لكن المشكلة أنه حتى الشركات المنتجة جعلوا منها خاسرة، فمن غير المنطقي مثلا ما قبل عام 2003، إذ كانت هناك منشآت تعمل في اليوم ثلاثة فترات، أي تعمل على مدار الساعة وفيها 1500 موظف، واليوم يتم توظيف 7500 موظف للعمل بفترة واحدة فقط، وهذه المشكلة أساسها السياسات في البلد والتعيين العشوائي، الذي استخدم كدعاية انتخابية”.

 

وبرزت خلال السنوات الماضية، مسألة استخدام التعيين في الحملات الانتخابية، حيث يعمد العديد من المرشحين إلى إطلاق الوعود لجمهورهم وأبناء عشائرهم بالتعيين بعد فوزهم، وهو ما يتحقق، وسبق وأن كشف الوزراء أن العديد من النواب يذهبون للوزارات محملين بملفات تعيين لاشخاص من أقاربهم أو مناطقهم.

يذكر أن مستشار رئيس الحكومة مصطفى محمد صالح، أكد في تصريح سابق له، أن فلسفة الدولة بعد عام 2003 اعتمدت توزيع عوائد النفط على الموظفين، حيث كل موظف يعيل خمسة أفراد بهدف خلق رفاهية، لكن هذه الفلسفة على المدى البعيد تضر البلاد بشكل كبير.

إقرأ أيضا