موقعة قانون التقاعد

أخذا بتلك النصيحة الذهبية \”داروا أموركم بالكتمان\”، أقرت قبل سنوات عدة، رواتب ومخصصات الرئاسات الثلاث وأعضاء البرلمان وأصحاب الدرجات الخاصة ورواتبهم التقاعدية، وأحيط الأمر في حينه بتكتم شديد. ومر زمن قبل ان يستفيق العراقيون ليقرأوا ارقاما مخيفة، نشرتها بعض الصحف عن حجم تلك الرواتب والامتيازات. وانبرى العديد من السياسيين لتكذيبها واتهام الاعلام كالعادة بالتلفيق واثارة الفتن. ولما كانت الحقيقة تبقى هي الغالبة اضطروا بعد زمن الى الاقرار بصحة ما نشر.

وتكشف للعراقيين هول الفارق بين مداخيلهم البائسة والمتآكلة بفعل التضخم، ومداخيل من يفترض ان يكونوا الأمناء على المال العام وممثليهم في البرلمان والسلطة. ومع تراكم العجز الاداري وافتضاح الفساد المالي وهبوط نمط حياة العراقيين الى مستويات شديدة التدني، وتصاعد أعداد ضحايا الفشل الأمني الذريع، اشتعل فتيل الاحتجاج الذي بادر به نفر من شباب لم يتلوث بما يدور حوله، وسرعان ما اتسع ليشمل قطاعات واسعة من الشعب في محافظات عدة ما عادت تطيق الصبر على ما يدور.

وما ان انفجرت موجة الاحتجاج حتى سارعت رئاسة الوزراء الى فتح درج عتيق لديها ينام فيه مشروع القانون، فدفعت به في غضون يومين الى مجلس النواب في محاولة لامتصاص الغضب المتعاظم وافشال الحراك الشعبي. لكن، ولأن العجز عن قراءة الموقف داء لا دواء له، جاء مشروع القانون ليلتف ويدور ثم يبقي على تلك الرواتب التقاعدية بصيغة اخرى، وكأنك يا زيد ما غزيت، وكأن كل هؤلاء المتظاهرين الذين تعرضوا للضرب والاهانات والتهديد سوف يسلمون بالأمر الواقع ويلزمون بيوتهم خوفا من عصا السلطة.

ولأن الاستهانة بالعراقيين ومستوى ادراكهم غدا سمة دائمة لتعامل الساسة معهم، اقحمت في نصوص القانون عبارة تمنح الحقوق التقاعدية لقاء (الخدمة الجهادية)، وهي تمثل فضيحة قانونية مجلجلة ولا سابق لها في اية دولة في العالم، بما فيها الصومال التي أُعلن مؤخرا عن التعاون المشترك معها، ربما كان في مجال تبادل الخبرات الأمنية بين هذين البلدين السعيدين، ومن الجلي ان تقاعد الخدمة الجهادية هو باب جديد للارتزاق والفساد وتوزيع العطايا وكسب الولاءات.

يذكرني هذا بموقف بعض العراقيين في دول اللجوء التي استضافتهم بعد ان لجأوا اليها هاربين مطاردين ومفلسين فوفرت لهم ولعائلاتهم المسكن والعمل والمورد المادي، وعلمت اولادهم في مدارسها وجامعاتها بالمجان. لكنهم كانوا يلجأون الى التحايل بأساليب وضيعة لانتزاع مكاسب مادية اضافية، وتسبب ذلك في فضائح تناقلتها صحافة تلك البلدان، وردت فيها اسماء برلمانيين ومسؤولين عراقيين عديدين. لكن العراق يا سادة، ليس دولة لجوء، وبالتالي فان الخبرة السابقة مع دول اللجوء لا تصلح للتطبيق فيه.

أتساءل بصدق، ان كانت كل المرجعيات الدينية قد أجمعت على تحريم الرواتب التقاعدية، الى اية ملة اذن ينتمي هؤلاء؟

أقرأ أيضا