هل السعودية في طريقها إلى المحور السوري المصري؟

المنطقة العربية اليوم مضطربة، كما أن الوضع السياسي في حالة مربكة، تحالفات انهارت، وأخرى تتشكل، والتوازنات داخل الدول فيما بينها تبحث عن مستقر لها، فالولايات المتحدة الأمريكية لن تترك الشرق الأوسط، دون إعادة ترتيب من جديد، الذي بدأ بالعراق وسقوط بغداد ثم بخداع ثورات الربيع العربي، الخداع الذي استغل حاجة الشعوب للتغيير وأوهمهم بأنه تحول ديمقراطي لمستقبل أفضل وفي الحقيقة هو تحول للخراب والدمار ولمستقبل أفضل للأعداء.

 

في سياق ذلك تعتبر العلاقات السورية المصرية هي الأساس في بناء النظام العربي الجديد، كما أن دمشق والقاهرة تنطلقان من رؤية واحدة وهي ضرورة مواجهة أي أطماع إقليمية أو دولية وإعادة صياغة النظام العربي والتعامل الجاد والسريع مع تحولات النظام العالمي، وخاصة بعد نجاح كل من سوريا ومصر في ضرب المخطط الغربي لتقسيمهما.

 

منذ بدء التغييرات السياسية المضطردة في منطقة الشرق الأوسط خلال السنوات القليلة الماضية، برزت المملكة السعودية من جديد كلاعب مؤثر في المنطقة لتحقيق مصالحها الإستراتيجية والسعي لبسط نفوذها في الدول التي تشهد اضطرابات كبرى كسوريا ومصر وهذا ما ترجمته سياستها الخارجية المتناقضة خلال الآونة الأخيرة وخاصة مع حلفائها الغرب.

 

أمام ذلك، وهذا هو وجه الغرابة في الأمر، إن العلاقات المصرية السعودية بدأت بعد الربيع العربي تدخل حال من الفتور مع السعودية وبعض دول مجلس التعاون الخليجي رغم التحالف القوي القائم بين السعودية ومصر بعد عزل محمد مرسي، بسبب اختلاف موقفيهما تجاه القضية السورية وخاصة بعد الوضع المأساوي والصراع الدائر في سوريا، فلعبت الرياض دوراً أكثر حزماً في الصراع السوري منذ اتفاق الولايات المتحدة وروسيا في سبتمبر الماضي بشأن الأسلحة الكيميائية، والتي اعتبرته مكسباً للرئيس السوري، كما دعت الرياض علناً إلى تسليح المناهضين للأسد ورفضت تحذيرات الولايات المتحدة تجاه المسألة السورية، وبموازاة ذلك كانت مصر تدعم الحل السياسي للأزمة في دمشق، في حين دعا الفيصل إلى اتخاذ قرار حاسم يدعم التدخل الدولي في سوريا.

 

في المقابل، تحتمل مصر من السعودية الخلاف حول سوريا على مضض، لأن مصر المستقلة تعرف أن أمنها الوطني يبدأ من بلاد الشام، وأن اتفاق مصر وسوريا يعني بداية النهاية بالنسبة إليها، والمصريون في المقابل يدركون أن تدمير الدولة السورية واستنزاف الجيش السوري في معارك داخلية، بعد الشروع في تفكيك السودان، يهدد أمنهم الوطني إستراتيجياً، ويضعفهم إزاء العدو الصهيوني والغرب، وينقل معركة الاستنزاف والتفكيك والفتنة إلى داخل مصر نفسها.

 

ولا شك أن غياب هذا المثلث التضامني (سوريا ومصر والسعودية) قد ترك بصمات واضحة على مجمل الحالة العربية التي هي بالأساس تعاني ضعفاً مزرياً، وتفككاً قل نظيره في وقت تلتحم فيه الأمم الأخرى، وتتجمع رغم ما بينها من تفاوت، وأهم الإشكاليات التي ولّدها غياب مثل هذا المثلث ذوبان الحد الأدنى من تنسيق المواقف العربية، وتلاشي سقف الثوابت العربية في مواجهة الأخطار المحدقة، سواء من الداخل الإقليمي أو من الخارج الدولي، هذا فضلاً عن إدخال إيران ضمن المنظومة الخلافية التي تنقسم حيالها الدول العربية، والدخول في معارك جانبية ولفظية أفقدت دول المثلث الثقة بينها.

 

وفي سياق متصل إن إعادة المثلث العربي للفاعلية قد تستغرق بعض الوقت، وقد نجد الكثير من العراقيل أمام انطلاقه، ولكن ما زال الأمل يداعبنا في أن تتغلب إمكانيات التوافق والالتقاء على العراقيل والصعاب، كي يعود على الأقل هذا الحد المتواضع من التنسيق العربي – العربي بدلاً من ارتماء كل طرف في أحضان مشاريع خارجية تذبح على مسالخها المصالح العربية، وخاصة بعد أن أعلنت المملكة السعودية أن الإخوان المسلمين وجماعتي جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) اللتين تقاتلان في سوريا للإطاحة بالنظام جماعات إرهابية، فضلاً عن رغبة السعودية لضم مصر لمجلس التعاون الخليجي، بعد أن سحبت السعودية والبحرين والإمارات العربية المتحدة سفراءها من الدوحة، كما كانت السعودية من بين أول الدول التي أعلنت دعمها لخريطة الطريق التي أعلنتها السلطات المصرية بعد عزل مرسي، ولعبت الرياض دوراً كبيراً في توفير الدعم المالي والاقتصادي للقاهرة.

 

فالحقيقة التي يجب أن ندركها بيقين إن المنطقة العربية ما دامت تعيش حالة الفوضى والتمزق الذي يملأ المشهد الراهن، وما دام مثلث القوة العربي المركزي المتمثل في سوريا ومصر والسعودية في حالة تفكك وانقسام، وطالما أن مصر بنظامها السياسي الحالي يشهد حالة عدم استقرار، فإنها بالضرورة ستكون عاجزة عن إعادة هذا المثلث في الوقت الراهن على الأقل.

 

وهنا يمكنني القول إن إعادة مثلث \”سوريا ومصر والسعودية\” وهو مثلث يمثل في الظروف الحالية حاجة إستراتيجية للأطراف الثلاثة، فهي أطراف تتكامل فيما بينها، على الأقل اقتصادياً، والتنسيق بينها داخل مثلث إقليمي، سيعيد إلى المنطقة شيئاً من التوازن، بعد سقوط العراق، إلى جانب أنه سيشكل حاجزاً للدور الغربي المدمر سياسياً للعالم العربي، ومنطلقاً للتأسيس لحال من الاستقرار في خضم المرحلة المضطربة حالياً. وأخيراً أرى أنه آن الأوان لنتعاون مع بقية قوى التوازن بالعالم لإنقاذ سوريا من الدمار والخراب، وتجاوز أزمتنا والمضي بوطننا نحو الأفضل. 

* كاتب وباحث سوري متخصص في العلاقات الدولية، Khaym1979@yahoo.com

إقرأ أيضا