هل جرى تنفيذ خطة (بندر بن سلطان) في العراق؟

مما يثير الدهشة في الحدث العراقي الأخير ما يتردد بين أوساط عراقية، على اطلاع واسع على المجريات والخلفيات، من أن الذي حدث في الموصل فجأة لم يكن بالفعل ابن ساعته، وبناء عليه فهو ليس كما يوحي للوهلة الأولى بأنه قد رتب اليوم أو خلال أسابيع، فمن يتداولون على أضيق نطاق تلك المعلومات يؤكدون بان أحداث الموصل هي خطة وضعها رئيس المخابرات السعودية السابق \”بندر بن سلطان\” إبان فترة ترؤسه جهاز المخابرات السعودي، وان هذه العملية كان مخططا لها أن تنفّذ مع الضربة التي كانت متوقعة لسوريا أثناء أزمة استخدام النظام السوري للسلاح الكيمياوي في معركته مع قوى المعارضة.

 

لم تكن الموصل أو المناطق السنية إلى الغرب أو الشمال الغربي العراقي فقط هي المستهدفة بالخطة الأصلية، بل يمتد التحرك إلى الجنوب، وقد بثت مجموعات مسلحة وقتها في البادية الجنوبية الفاصلة بين المملكة والعراق تم رصد بعضها واعتقاله. المشروع الأصلي الذي لم تتسن له الظروف كي ينفذ كان قد تمكن من حشد، أو طمح إلى حشد، مائة ألف مقاتل يقومون مع الضربة الأمريكية لسوريا باحتلال الموصل واجتياح مناطق واسعة من العراق، ما كان سيعتبر وقتها الضربة الثانية للحلف السوري الإيراني في المنطقة.

 

في هذا الإطار على ما يبدو تسنى اختراق الجيش العراقي بعد أن أمكن شراء بعض الضباط الكبار ومن المستويات المتوسطة، ومما يقال بهذا الصدد ان الثمن الذي استلمه هؤلاء كبير جدا، ليس هذا هو المهم في الرواية المذكورة، المهم هو ما يترتب على مثل هذه المعلومات إذا صحت بالفعل، فالأسئلة وقتها تترى محاولة استجلاء معنى التوقيت الجديد والجهات التي حددته وأجازته.

 

ومن بين الأسئلة التي تتردد: ترى هل أن ما حدث قد حدث بعلم وتوجيه \”بندر بن سلطان\” نفسه؟ وفي مثل هذه الحالة تثور تساؤلات فرعية؛ فهل نحن على أعتاب صراع داخل المملكة العربية السعودية يتعدى نطاق أو قدرة القيادة السعودية على الضبط والاحتواء، وان نتيجة القرارات التي اتخذت في المملكة والتغييرات التي حدثت مؤخرا في المراكز الحساسة، ومنها مركز رئيس جهاز المخابرات، إضافة للموقف من الإرهاب وداعميه داخل المملكة، لم يتم قبولها  ضمنا أو الخضوع لأحكامها، لا بل أن أشكالا من \”الاعتراض\” الجدي والعملي يمكن أن تكون قد تشكلت ضدها وان هي توخت السرية التامة، ما يعني أن سياسة الإحراج ومناكفة الموقف الأمريكي المستجد بعد المفاوضات مع إيران لم تتوقف، وما زال بالإمكان إظهار وزنها على الأرض؟

 

يحتاج مثل هذا الاحتمال إلى متابعة مدققة لسلوك \”بندر بن سلطان\” والقريبين منه ورصد تحركاته الأخيرة بعد اضطراره لترك منصبه للتأكد مما إذا كان  بالفعل قد واصل علاقته بالجهات العراقية التي سبق وكان اتفق معها ليعود فيحرضها على التنفيذ بما يتلاءم مع رغبة ومصلحة هذه الأخيرة ومصلحته،   وقتها يمكن بناء تقدير لحقيقة ما يجري في المنطقة من تجاذبات وتوترات وانشقاقات خطيرة، ومحاولة تلمّس ما يترتب عليها.

 

الاحتمال الثاني أن تكون الأجهزة الأمنية السعودية بعد \”بندر بن سلطان\” هي التي فعّلت تلك الخطة، وهو احتمال مستبعد للغاية لأنه يكرس التباعد مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولا يستجيب لمناخات التهدئة الأخيرة مع إيران، هذا عدا عن نتائجها الكارثية على الوضع في الخليج العربي، بالأخص في حال أدت إلى تدخل عسكري إيراني واسع في العراق.

 

من الاحتمالات أن يكون \”بندر بن سلطان\” قد باع مخططه النائم لطرف ثالث، وهذا ليس صعبا على شخص مثله بحكم سعة علاقاته بالأجهزة الأمنية الشرق أوسطية وغيرها، وفي مثل هذه الحالة سوف يطول البحث قبل التعرف على تلك الجهة بسبب تداخل الخيوط وتشابكها وهو ما سيحمي \”بندر بن سلطان\” نفسه، ويوفر له فرصة التملص وإنكار صلته بما حدث.

 

على الإجمال فان الحدث العراقي الأخير لا يبدو متسقا مع الوجهة الغالبة على الخيارات في المنطقة العربية والشرق أوسطية مؤخرا، وانه جاء أشبه بلحظة اعتراضية متأخرة عن موعدها ومربكة، ما يضفي غموضا على أهدافها، وهل هي مجرد حركة استعراضية إعلامية يؤمل منها إحراج اللاعبين الأساسيين لغرض ما، أم أنها رغبة أطراف ينقص تحركها النضج أو اكتمال العناصر الضروري توفرها بعمل من هذا الوزن؟

 

فما حدث لا يفتح الطريق أمام أي أفق سياسي يمكن تصوره عراقيا، فلا البعث  النقشبندي ولا داعش ومن معها تصلح مشروعا بديلا لـ\”لعملية السياسية الطائفية\” وللعراق، وتحرك هذه أدواته سيظل محكوما بالجزئية والمحدودية، بينما العراق ينتظر وثبة متجاوزة للطائفية، وأي مشروع كهذا إذا تبلور فانه يتبلور حتما فيما وراء البعث وداعش والمالكي وعمليته السياسية المحاصصاتية.

 

وعلى العموم فان التمثيل الذي يقدمه لنا الحدث المذكور للسنة العراقيين،  يكرس عمق الأزمة ويزيد تجسيدها ويعقدها ولا ينذر بأي جديد ايجابي على مستوى الاستجابة للضرورات الوطنية، هذا في حال بحثنا عن بديل وطني للحكم الذي جرى الانقلاب عليه.

 

* عبد الأمير الركابي: كاتب وسياسي عراقي

إقرأ أيضا