هل من الممكن أن تستغني أمريكا عن علاقاتها مع مصر؟

تحولت مصر إلى ساحة منافسة بين الدولتين الأقوى في العالم، الولايات المتحدة الأمريكية من جهة وروسيا من الجهة الأخرى، إذ تبذل الدولتان جهودهما لكسب ود مصر خلال الفترة الحالية، حيث أشعل الرئيس الروسي \”فلاديمير بوتين\” هذه المنافسة الروسية الأمريكية بعد أن استغل القرار الذي اتخذته الولايات المتحدة بإلغاء مناورات النجم الساطع مع الجيش المصري، وأعلن استعداد بلاده التحضير لمناورة مشتركة بين الجانبين رداً على إلغاء الولايات المتحدة الأمريكية المناورات.

وبدت القاهرة من جانبها حريصة على إذكاء هذه المنافسة الروسية الأمريكية للحصول على أكبر قدر من المكاسب، فاتخذت موقفاً أكثر ميلاً للتوجه الروسي من الأزمة السورية، وأعلنت تأييدها للجهود التي بذلتها روسيا للحيلولة دون توجيه ضربة أمريكية لسوريا.

واليوم تتصارع كل من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا على بسط نفوذهما في الشرق الأوسط خاصة مصر، في ظل الاضطرابات السياسية التي تواجهها، فالتوتر الذي شاب العلاقات المصرية الأمريكية في الفترة الأخيرة، ترك مساحة واسعة لروسيا كي تتدخل لملء الفراغ وتقديم يد العون وتكون بمثابة حليف بديل عن واشنطن في مصر.

إن رغبة روسيا في التقرب من مصر تهدف إلى العودة لنفوذها في الشرق الأوسط من خلال مصر بعد أن خسرت المنطقة بعد حرب أكتوبر 1973، أو أن تظل ضاغطة بتقربها من مصر على الولايات المتحدة، وعندئذ ستكون مصر ورقة تستخدمها روسيا في وجه أمريكا في القضايا الخلافية بينهما.

تعتبر الزيارة المرتقبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين نهاية العام الى القاهرة جزءا من محاولة موسكو أن تحل محل الولايات المتحدة الأمريكية كداعم أساسي للجيش المصري، بعد أن فشلت إدارة أوباما في احتواء النظام المصري الجديد وتقديم الدعم اللازم له، فضلاً عن قرار تقليص شحنات الأسلحة والمساعدات العسكرية الأمريكية لمصر، في الوقت الذي تخوض الحكومة المؤقتة معارك ضد المسلحين في شبه جزيرة سيناء، الأمر الذي كان السبب الرئيس في إفساد التحالف الأمريكي المصري الذي دام لأكثر من ثلاثة عقود، وستعتبر هذه الزيارة الأولى منذ السبعينيات التي ستستعيد فيها روسيا نفوذها الذي خسرته في علاقتها القوية مع مصر حين طرد الرئيس السادات المستشارين العسكريين السوفييت وأوقف شراء الأسلحة من روسيا.

وبالمقابل أعربت إسرائيل عن قلقها من تدهور العلاقات المصرية -الأمريكية، عقب قرار الرئيس الأمريكي باراك أوباما تجميد المساعدات العسكرية لمصر، من خلال تحذيرها من أن روسيا تسعى لملء الفراغ الذي خلفته واشنطن عقب تدهور علاقاتها مع القاهرة، على أمل عودة التحالف الاستراتيجي بين القاهرة وموسكو، على غرار ما كان سائداً خلال فترة الحرب الباردة.

وفي سياق متصل تعد واشنطن المسؤولة عن التوجه المصري الحالي تجاه روسيا، بسبب تذبذب إدارة أوباما في مساندة الشعب المصري عقب ثورة 30 يونيو، الأمر الذي أدى إلى تزايد قوة التيار القومي الذي ينادي باستقلال القرار المصري ونقض الشراكة مع واشنطن، فضلاً عن العداء الشعبي المتزايد تجاه الولايات المتحدة سواء من المؤيدين للحكومة المؤقتة أو المعارضين لها من أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي، فالاضطرابات السياسية وخيبة الأمل التي أصابت مصر من حلفائها الغربيين جعلت مصر تفكر ملياً من جديد في سياستها الخارجية وأولوياتها وتحويل محور اهتمامها وتحالفاتها إلى دول شرق الأطلسي، لاسيما النظر إلى الدب الروسي، وهو ما يجعل القاهرة تحاول التقارب من موسكو لبناء علاقات جديدة تعيد ذاكرتها إلى عقود الاتحاد السوفيتي.

وفي نفس الاتجاه نشرت صحيفة \”صنداي تايمز\” البريطانية، تقريراً عن الصراع بين روسيا والولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وتحول المنطقة إلى ساحة حرب باردة جديدة بين واشنطن وموسكو، وينقل عن مراقبين قولهم: إن الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، مهدد بخسارة هذه الحرب لصالح نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، ويستعرض التقرير موقف كل من واشنطن وموسكو إزاء أبرز نقاط الصراع بين الجانبين في مصر، من خلال تردد الولايات المتحدة الأمريكية بشأن تحديد ماهية عزل الجيش الرئيس محمد مرسي من حيث اعتباره انقلاباً عسكرياً أم لا، وهو ما أثار نفوراً لدى طرفي النزاع  في مصر.

وفي مجمل الحديث تعد قضية \”التسليح\” من أهم محددات علاقة مصر بحلفائها، ففي بداية عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر طلب شراء أسلحة من واشنطن، لكن الأخيرة رفضت، فتوجه إلى الاتحاد السوفيتي ليكوّن شراكة تعاون عسكري نتج عنها توقيع اتفاقيات تسليح للجيش المصري، وفي عام 1970 تخلى الرئيس أنور السادات عن الإتحاد السوفيتي ليتجه إلى الولايات المتحدة بسبب تلكؤ السوفييت في تسليم شحنات أسلحة للجيش المصري في الوقت الذي كان يستعد لخوض حرب تحرير سيناء، وفي عام 1979 عادت مصر للولايات المتحدة بعد توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل لتحصل بمقتضاها على مساعدات عسكرية سنوية بلغت 1.2 مليار دولار.

والآن تسعى مصر لاستعادة علاقاتها الطبيعية مع روسيا خلال الفترة المقبلة، لأن سياسة مصر الخارجية تتبع نظام إحداث توازن في العلاقات من كل الدول دون الانحياز والاعتماد على دولة واحدة، حيث قامت بتنويع سلاحها ثلاث مرات بداية من السلاح البريطاني ثم الروسي وأخيراً الأمريكي، والآن تعمل مصر على التنويع بين الترسانة الأمريكية الروسية.

وفي السياق ذاته، تستعد مصر وروسيا لتوقيع أكبر صفقة سلاح منذ انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، وهذه الصفقة تأتي على وقع توتر العلاقات الأميركية بعد إطاحة حكم الإخوان في يوليو الماضي، وتقدر الصفقة التسليحية المنتظرة لتحديث الجيش المصري والمفترض توقيعها بين مصر وروسيا بحوالي أربعة مليارات دولار، بحسب المصادر الروسية.

وكشفت صحيفة (واشنطن فري بيكون) الأمريكية أن مصر ستتعاقد على شراء أسلحة متطورة من روسيا تتضمن صفقة طائرات حديثة، ومنظومات صواريخ دفاع جوي، بالإضافة إلى تحديث الدبابات الروسية القديمة التي ما زال الجيش المصري يستخدمها، وتزويدها بأسلحة وأجهزة متقدمة. والسؤال الرئيس الذي يفرض نفسه هنا بقوة، هل تستغني الولايات المتحدة الأمريكية عن دور مصر في المرحلة الراهنة، وهل تصبح روسيا حليف المصريين على حساب أمريكا؟

هناك قلق أمريكي من أن تقوم مصر بعلاقات مع الروس، لأن ذلك سيؤثر في موازين القوى بالعالم والشرق الأوسط، كما أن الولايات المتحدة لا تريد أن تحدث وتتطور تلك العلاقات، لأنها لا يمكنها الاستغناء عن العلاقة مع مصر، وبالتالي فإن الولايات المتحدة الأمريكية تحتاج من مصر المحافظة على اتفاقية السلام مع إسرائيل التي هي طرف أساسي بها، كما أن أمريكا تستفيد من المساعدات العسكرية أكثر من المصريين.

وأكدت صحيفة \”معاريف\” الإسرائيلية، أن الخطة السياسية الروسية الجديدة هي تجديد التحالف التاريخي مع مصر، موضحة أن روسيا لعبت دوراً حيوياً في القضية السورية، كما ستدعم مصر اقتصادياً بعد تخلي الولايات المتحدة الأمريكية عنها، وأضافت الصحيفة أنه بعد توتر العلاقات بين أمريكا ومصر، فمن المتوقع أن تتدخل روسيا لكي تحل محل أمريكا وتقوم بتقديم الكثير من الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي لمصر.

فالولايات المتحدة هي الخاسر الأول والأخير جراء تحول الشرق الأوسط ومصر بشكل أكبر لروسيا، فالتهديد بقطع المعونة عن الدولة لن يؤثر في الاقتصاد كما يتم الادعاء بذلك، والقرارات الأمريكية لن تكون ملزمة لمنطقة الشرق الأوسط ما يقلل من هيمنتها وسيطرتها على تلك البلدان.

ومما سبق أرى أن عودة روسيا إلى الساحة العربية انطلاقاً من مصر ليس معناه الدخول في حرب باردة جديدة بين موسكو وواشنطن، فروسيا ليست الاتحاد السوفيتي القديم، ولا امتداداً له، وتدرك خطورة الصدام مع الولايات المتحدة في هذه المرحلة، وبناء علاقات متوازنة هو هدف استراتيجي للسياسة الخارجية المصرية بعد ثورة يونيو، علاقات تستند إلى لغة المصالح والمنافع المتبادلة.

وأخيراً أختم مقالتي بالقول، ان مصر وروسيا في مرحلة بناء إستراتيجية جديدة في المنطقة، وأن كلا منهما يحتاج الآخر، إذ تهتم روسيا بتحسين العلاقات مع مصر لأن لمصر دورا كبيرا في المنطقة، إضافة إلى أن سياسة مصر في المجال الدولي الآن تتجاوب مع المصالح الروسية، وأن الهدف من تقوية العلاقات المصرية الروسية مهم لإحداث توازن في العلاقات الدولية بين مصر وبقية الدول الأخرى خاصة وأن هناك روابط تربط الدولتين من فترات تاريخية طويلة، فضلاً عن أن قوة العلاقة بين مصر وروسيا تعطي لأمريكا رسالة قوية بأن مصر لديها علاقة متنوعة مع الدول الكبرى.

* كاتب وباحث سوري

إقرأ أيضا