هل نقضت الحكومة مساعيها لتعظيم موارد الدولة بتجديدها لرخص شركات النقال؟

قرار رئيس مجلس الوزراء مصطفى الكاظمي، بتجديد رخصة شركات الهاتف النقال في العراق وتقسيط ما…

قرار رئيس مجلس الوزراء مصطفى الكاظمي، بتجديد رخصة شركات الهاتف النقال في العراق وتقسيط ما بذمتها من ديون، جاء مناقضا لقرارات سابقة من المفترض ان تكون ايجابية، وتهدف للحد من هدر مليارات الدولارات، التي تمثلت باجراء تغييرات ادارية في هيئة الاعلام والاتصالات، وإسناد مهام اللجنة الفنية العليا لأمن الاتصالات والمعلومات إلى جهاز المخابرات.

أمس الأول الثلاثاء، أعلن رسميا عن تجديد رخص شركات الهاتف النقال لخمس سنوات اخرى، ما شكل صدمة لكثير من المراقبين، نظرا لسوء الخدمة المقدمة من قبل الشركات مقابل الاموال التي تستحصلها من المواطن.

ويحتل ملف فساد شركات الهاتف النقال، حيزا كبيرا من أجندة الدولة العراقية، كونها ومنذ سنوات طويلة تماطل بتسديد ما بذمتها للدولة رغم الارباح الكبيرة التي تحققها، أي ان هذه الشركات لم تسدد النسب المتفق عليها للخزينة ولا نسبة الضرائب، في ظل أزمة اقتصادية كبيرة يمر بها العراق، وفي هذا الصدد غرد النائب محمد الكربولي قائلا “رخصة الهاتف النقال واحدة من موارد الدولة غير النفطية المهمة، وإن تمديد رئاسة الوزراء لرخصة الشركات العاملة بنفس العوائد القديمة يدل على استمرار نهج الفساد في أعلى مفاصل الدولة، وأنه كان الأحرى بالحكومة رفع عوائد الرخصة بدلاً من الاقتراض”.

وكان مجلس النواب قد أقر في 24 حزيران يونيو الماضي، قانون الاقتراض الداخلي والخارجي لسد عجز التمويل المالي للعام الحالي 2020.

وبشأن ديون شركات الهاتف النقال، فقد اطفأت هيئة الاعلام والاتصالات هذه الديون في ايلول من العام الماضي 2019، وفي وقتها قالت لجنة الاعلام والاتصالات ان “اطفاء الديون تم بصورة غير قانونية، وفيه التفاف على القوانين من قبل بعض الفاسدين في تلك المؤسسة”.

وأضافت أن “اللجنة لديها توجه بمحاسبة كل من ارتكب فسادا مع شركات الهاتف النقال”، مبينة أن “اللجنة حتى الان، لا تعرف قيمة المبالغ التي تم إطفاؤها ولكنها بالمليارات”، موضحة أن “ايرادات الهاتف النقال كبيرة جدا، وممكن ان تتساهم بتعزيز الموازنة”.

لجنة النزاهة النيابية، وردا على قرار تمديد رخصة الشركات، خاطبت أمس الاربعاء، مكتب رئيس الوزراء بكتاب رسمي، تضمن رفضها للقراروطالبت بادخال تعديلات اساسية ضمن شروط العقد، تتضمن رفع نسبة المشاركة في الأرباح المتحققة لهذه الشركات لصالح وزارة المالية العراقية لتصل لما لا يقل عن 75 بالمائة وأشراك ديوان الرقابة المالية في احتساب الأرباح.

وتضمن كتاب اللجنة استحصال جميع الديون المثبتة على شركات الهاتف النقال بما فيها الغرامات  التاخيرية والفوائد المترتبة عليها لدعم خزينة الدولة وسد العجز الهائل في الموازنة.

وحثت اللجنة ايضا على اهمية ايجاد معالجة عملية وواقعية للخلل الكبير في منح شرائح الخطوط الهاتفية دون تثبيت بيانات مستخدميها، مع التشديد على إلغاء جميع الخطوط التي لا توثق بياناتها خلال فترة شهر واحد كحد أقصى، فضلا عن إشراك جهاز الأمن الوطني في متابعة إلغاء تلك الخطوط واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المستخدمين والشركات المتواطئة.

وبنيت انها “ستتبع المسار القضائي في حالة استمرار مجلس الوزراء باتمام هذا العقد الذي سيلحق ضرراً كبيراً بالمال العام والشعب العراقي”.

وتعد خدمات الاتصالات والانترنت في العراق، من الاسوأ في بلدان المنطقة والاعلى تكلفة ايضا، فبطاقات التعبئة اسعارها مرتفعة نظرا بالخدمات المقدمة، إذ أن البطاقة الواحدة تستخدم لاجراء المكالمات الهاتفية والرسائل النصية وتبلغ أقل قيمة لها 5 دولارات، وتحتسب المكالمة فيها بالدقائق وليس بالثواني.

فيما تكون تعبئة انترنيت الجوال بصورة منفصلة، وتبلغ قيمة الشهر المفتوح 30 ألف دينار (نحو 25 دولارا)، ولا يتمتع بالسرعة المطلوبة لانجاز أي عمل، فضلا عن رداءة الاتصال عبر تطبيقات التواصل ومنها واتساب وفايبر وتليغرام.

كما يعاني المواطن من ضعف جودة الاتصالات داخل المدن، بالاضافة الى عدم وصول اغلب الرسائل النصية، ما يحتم عليه تكرار ارسالها ودفع اجرة جديدة لقاء ذلك.

في وقت تتوفر بدول الجوار العراقي، خدمات مميزة وباسعار زهيدة في اغلب باقات الاتصال في هذه الدول، تكون شهرية وليست ككارتات تعبئة تنتهي سريعا.

الاردن على سبيل المثال، تقدم احدى شركات الاتصال فيها، باقة تضم مكالمات لا محدودة و3500 رسالة نصية مع 18 غيغابايت انترنت بسعر 11 دولارا و50 سنتا فقط، وصالحة لمدة شهر كامل، أما في تركيا فالتعبئة شهرية ايضا، والخدمة هي 4G، وتشمل 1000 دقيقة اتصال و1000 رسالة نصية و10 غيغابايت بقيمة 8 دولارات و76 سنتا فقط. وتشمل هذه الخدمات سرعة انترنت عالية جدا مقارنة بالعراق، اضافة الى جودة الاتصال وارسال مقاطع الفيديو والصورة بشكل سريع، على العكس من العراق، رغم المبالغ الطائلة التي يدفعها المواطن.

عضو لجنة الاعلام والاتصالات النيابية علاء الربيعي، قال في بيان ردا على قرار الحكومة بتجديد رخص شركات الاتصال، “كان الاولى من الحكومة هو محاسبة الشركات على أسباب تلكؤها في دفع الديون المترتبة بذمتها، وكذلك محاسبة ادارة هيئة الاعلام والاتصالات التي تتستر على هذا التلكؤ”، داعياً رئيس الحكومة الى “معرفة ان الخدمات المقدمة من قبل شركات هي خدمات ضعيفه للغاية وبتكاليف عالية للغاية مقارنة بدول الجوار”.

واضاف ان “ادارة الهيئة لا تقوم برصد جودة خدمة الاتصالات وفق معايير دقيقة بل تتعمد التغطية على سوء الخدمة، ويجب ان نلاحظ ان هذا التجديد سيضر بمصالح الدولة الاقتصادية ضرراً كبيراً لكون اسعار الرخصة قبل خمسة عشر اقل بكثير من الاسعار الحالية حيث تعتزم الهيئة مجاملة الشركات مقابل عدم حساب الفرق السعري بالرخصة”.

وأشار الى أن “الهيئة تغطي على مخالفات كثيرة تتعلق باداء الشركات الفني، من ذلك عدم اتخاذها اجراءات حقيقية تجاه موضع الاحتساب بالدقائق والثواني للمكالمات وهو المعمول به عالمياً، كما ان الواجب ان يتم عمل مزاد جديد مقابل التمديد، وليس ان نفاوض من موقع ادنى ونتوسل الشركات مقابل دفع جزء من الديون المستحقة للخزينة العامة والمترتبة بذمتها”.

ولفت الى ان “تراخيص الجيل الرابع يجب ان تكون وفق مزاد وليس ضمن صفقة تمديد التراخيص وعلى رئيس الوزراء تشكيل لجان فنية واقتصادية لدراسة الموضوع شريطة ان تكون هذه اللجان بعيدة عن تدخلات ادارة الهيئة وتدخلات شركات الهاتف النقال”، موضحا ان “المعلومات المتوفرة لدي ان ادارة الهيئة دخلت باتفاقات من اجل السعي باقناع الحكومة على تمديد تراخيص الشركات وتضمين التمديد ترخيص الجيل الرابع الامر الذي يحرم العراق من مبالغ طائلة يمكن لها ان تسد العجز المالي الذي تعاني منه الحكومة”.

واتجهت الحكومة مؤخرا، وفي ظل توجهها لانهاء ملفات الفساد، الى فرض سيطرتها على المنافذ الحدودية وإبعاد الجهات غير الرسمية المسيطرة عليها، لغرض تعظيم موارد الدولة، وفي هذا السياق عمدت هيئة المنافذ الحدودية الى اصدار بيانات متتالية عن الايرادات المتحققة خلال هذه الفترة البسيطة بعد إنهاء الفساد في المنافذ، وابرزها منفذ طريبيل الحدود مع الاردن.

يذكر أن تجديد رخص شركات الهاتف النقال، جاء مناقضا لسياق عمل الحكومة بالسيطرة على موارد الدولة، في ظل قرارات توحي بتوجه ايجابي لانهاء الفساد في جميع الملفات.

القرارات بدأت باصدار الكاظمي قرارا في 23 حزيران الماضي، يقضي بإسناد جميع مهام وواجبات اللجنة الفنية العليا لأمن الاتصالات والمعلومات المشلمة بالرقم 504 لسنة 2015، إلى جهاز المخابرات الوطني العراقي- الدائرة الفنية وحسب الاختصاص.

وفي 25 حزيران يونيو الماضي، قرر إنهاء تكليف رئيس مجلس المفوضين في هيئة الاعلام والاتصالات اشرف الدهان واعضاء المجلس خليل الطيار وصفاء الدين ربيع، وتكليف محمد قحطان وعادل عليوي كعضوين بديلين.

يشار الى أن التظاهرات الشعبية التي انطلقت في تشرين الأول أكتوبر 2019 كانت إحدى أهدافها هو الضغط على تلك الشركات من أجل تحسين خدماتها، وتقليل حجم الاموال التي تتقاضها من المستخدمين.

إقرأ أيضا