هل وضع الشمري والمالكي حجر الأساس لتقسيم العراق اجتماعيا؟

أعاد السيد وزير العدل حسن الشمري، بتسهيل من السيد رئيس مجلس الوزراء نوري المالكي الحياة قبل أيام قليلة إلى جثة قانون بول بريمر رقم 137 للأحوال الشخصية والقاضي بإنشاء قضاء مذهبي لكل طائفة دينية في العراق، وبهذا فقد وضع الاثنان، ومن معهما من مؤيدين في التحالف الوطني، حجر الأساس لتقسيم العراق اجتماعيا وطائفيا وقضائيا بقرار المصادقة الحكومية على  مشروعي قانوني القضاء الجعفري وقانون الأحوال الشخصية الجعفرية وإمراره إلى مجلس النواب.

 

ليس المذهل والباعث على الإحباط في هذه القضية هو تمرير ذانك القانونين من قبل حكومة المالكي إلى البرلمان، ولا هو محتواهما الرجعي والطائفي التقسيمي، والمتخلف عن روح العصر باعتراف أحد قادة حزب \”المجلس الأعلى\” والوزير السابق باقر الزبيدي الذي قال (إن مشروع القانون يحتوي على مواد تتنافى والأخلاق الإسلامية/ الغد برس) وهو بهذا متخلف ليس قياسا أو مقارنة بقانون 188 لسنة 1959 فحسب، بل وحتى لقوانين أحوال شخصية في دول دكتاتورية ومحافظة عديدة؛ المذهل والمحبط ليس هنا، بل هو في خفوت صوت الرفض والاحتجاج على هذين القانونين الطائفيين شكلا ومضمونا، سواء من قبل من يصفون أنفسهم بالعلمانيين والديموقراطيين واليساريين أو من قبل الإسلاميين ورجال الدين المستنيرين.

 

لقد جربت سلطات الاحتلال الأميركي أن تمرر هذا القانون الطائفي وصدر القرار رقم 137 من مجلس الحكم الانتقالي، الذي حكم العراق بأوامر الحاكم المدني الأميركي بول بريمر عقب سقوط النظام السابق في العام 2003 وكان يقضي بإلغاء قانون الأحوال الشخصية 188 لسنة 1959 ويعيد العمل بالقضاء المذهبي، إلا ان القرار ألغي بعد صدوره بفترة وجيزة في العام 2004 لأسباب تتعلق بجوانب فنية ولوجستية وهاهم ساسة الطوائف اليوم يعيدون له الحياة وينفذون رغبات وبرنامج الاحتلال الأجنبي.

 

إن النتف المسربة من هذين القانونين كافية لإثارة أعظم ردود الأفعال في المجتمعات التي تعيش حالة طبيعية، ولكن حالة الخراب العام والفوضى الهائلة جعلت ردود الأفعال عليه بهذا الخفوت والتشظي.. ومن تلك النتف المسربة نذكر:

– خفض سن الزواج للإناث إلى التاسعة ما يجعل هذا الزواج صنوا ومثيلا للشذوذ الجنسي المعروف في الدول الغربية بالبيدوفيل \”مضاجعة الأطفال والقصر\” والذي تعاقب الدول المتحضرة مرتكبيه بأشد العقوبات.

– وهناك أيضا ترسيم وإعلاء شأن ما يسمى بقيمومة الرجل على المرأة لدرجة منع الزوجة من الخروج من بيت الزوجية دون موافقة الزوج.

– وهناك إباحة لتعدد الزوجات حتى أربع زوجات دون قيد أو شرط، ما يجعل الزواج نوعا من العهر والدعارة المشرعة بقانون حكومي وليس وسيلة للتكاثر والعلاقات الحميمية الإنسانية.

 

تمرير هذا القانون من قبل الحكومة هو لطخة عار أولا بوجوه من مرروه، وقد تردد كلام في الإعلام العراقي عن صفقة بين رئيس الحكومة المالكي وبين حسن الشمري وحزبه \”حزب الفضيلة الإسلامي ومرشده الروحي الشيخ اليعقوبي\” (وتقضي الصفقة، أن يمرر المالكي القانون فيما يوافق الشمري على مسعى المالكي إلى تخصيص قطع أراض للفقراء والمهجرين./ العالم البغدادية) ما يعني أن المالكي وافق على اقتسام كعكة الدعاية الانتخابية مع هذا الشخص وحزبه فينال هو قطعة \”أراض للفقراء\” مقابل أن يفاخر الشمري واليعقوبي بجائزة القانون الطائفي المذكور.

 

أما مجلس النواب فليس ثمة شك للحظة واحدة بأنه سيمرر هذا القانون كما مرر غيره من قوانين لصوصية وآخرها قانون رواتب تقاعد وامتيازات النواب وذوي الدرجات الخاصة.. ولكنهم جميعا، في الحكومة، والبرلمان يحفرون قبر نظامه، نظام المحاصصة الطائفية المريض والمعدي، بأيديهم.. فهذه الكوارث والتراجعات التي فرضوها على شعب الرافدين لن تمر بهدوء وسلام على المدى البعيد حتى وإنْ سكت أو تهاون أدعياء العلمانية والديموقراطية واليسارية والاستنارة الإسلامية.

 

نسجل أيضا في هذا الصدد، غياب أي صوت نقدي أو رافض لهذا المشروع التقسيمي في المناطق الغربية والشمالية إلا ما ندر، وكأن الموضوع يتعلق بحدث داخل الطائفة الشيعية فقط، ولا شأن للآخرين به، وهذا تحليل ساذج وخاطئ تماما؛ فهذا القانون هو نقطة البداية لتشريع قوانين طائفية مشابهة، واحد للطائفة السنية وآخر للمسيحيين بمختلف طوائفهم وللصابئة وغيرهم، وعندها سينجح دعاة تقسيم العراق مجتمعيا وطائفيا وقضائيا رغم كل الرفض الإنشائي واللفظي الذي يصدعون به رؤوس العراقيين. إن الأصوات المعارضة في هذه المناطق بسكوتها عن مشاكل العراق الأخرى، تعطي لحراكها شكلا طائفيا محضا، إذ يبدو أنها لا تتحرك إلا بخصوص ما يتعلق بحصة طائفتها في الحكم والامتيازات والمغانم التي تريد تكبيرها وتوسيعها وهي بهذا تخرج عن المسار الوطني المفترض وتكرس الجزئية والفئوية في حراكها السياسي والاجتماعي. أما استرخاء أو صمت الجهات والمنظمات المدنية وبخاصة النسائية والقضائية من نقابات المحامين وغيرها فلا يمكن تفسيره أيضا إلا ضمن مناخات الخراب والفوضى الشاملين التي تلف العراق من أقصاه إلى أدناه.

 

وأخيرا، فإن محاولة البعض دخول المعركة بين الأطراف المرجعية إلى جانب هذا الطرف أو ذاك محكوم عليها بالفشل. صحيح أن الصراع الحالي بين المرجع اليعقوبي وحزبه ووزير عدله حسن الشمري وبين المراجع الثلاثة الأعلى للطائفة الشيعية في العراق، السيستاني والنجفي والحكيم، يمكن أن يحبط أو يعرقل أو يسقط هذا القانون، ولكن التمعن في حيثيات الصراع بين هذه الأطراف لا يدفع إلى التفاؤل لأنها صراعات داخل الخندق الواحد بين مَن يريد أن يحتكر حزبه ووزيره صياغة وكتابة مشروع القانون وبين من يريد أن ينزع تلك المهمة وينيطها بالمرجعية السيستانية. ومع إننا لا نرجح سعي المرجع السيستاني إلى القيام بهذا الدور، لأنه لو شاء القيام به لقام به منذ زمن، ولا أحد يمنعه من ذلك، ولكن الأطراف التي تدعي الدفاع عن هذا المرجع ضد تهجمات وانتقادات وإساءات المرجع اليعقوبي وحزبه ووصفه لامتناع المرجع السيستاني بالموافقة على مشروع القانون (بالخيانة والخذلان للحسين والأئمة المعصومين/ محاضرة لليعقوبي على اليوتيوب 1) إن هذه الأطراف زاعمة الدفاع عن المرجع السيستاني لا تخلو من طموحات شخصية لانتزاع هذا الملف من اليعقوبي لصالحها وليس لأنها ترفضه أصلا لدوافع وبواعث وطنية ومستنيرة. 

* كاتب عراقي

1- رابط بمحاضرة الشيخ اليعقوبي على اليوتيوب:

http://www.youtube.com/watch?v=l8fr3sXrGP4

إقرأ أيضا