وُصف بـ«البوليسي».. هل يمر قانون حرية التعبير هذه المرة؟

بعد سلسلة من المحاولات الفاشلة، يعود البرلمان لتمرير قانون حرية التعبير والتظاهر السلمي بعد عيد الفطر، ليواجه مرة أخرى اعتراضات عديدة، وفيما يصف مدافعون عن حرية التعبير، القانون بـ”البوليسي”، مسجلين اعتراضات على العديد من فقراته، تدافع لجنة الثقافة النيابية عن القانون الذي ترى فيه “تنظيما” للحريات وليس “تقويضا” لها.

ويقول عضو تحالف الدفاع عن الحريات، علي عبد الزهرة، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، إن “هذا القانون يحتوي على الكثير من المواد التي صيغت بطريقة بوليسية وكأنما يعود بنا إلى الحقبة الدكتاتورية التي صادرت أبسط شيء للحريات”.

وبحسب عبد الزهرة، فإن تحالفه، يسجل مجموعة ملاحظات على مسودة القانون، منها أن “هذه المسودة توجب إرسال طلب للموافقة على التظاهرة، وهذه الموافقة بالتأكيد خاضعة لمزاج صاحب السلطة الذي قد يكون التظاهر ضده، كما أنها لا تلزم السلطة بتبيين سبب الرفض عندما ترفض التظاهر”.

ويتابع أن “هذه المسودة تمنع الاجتماعات دون إبلاغ السلطات الأمنية، فليس من حق أي جهة أن تجتمع إلا بعد حصول موافقة من السلطات الأمنية، وفي حالة عقد اجتماع من قبل ثلاثة أشخاص أو أكثر، فالقانون يمنح الضوء الأخضر لاعتقال هؤلاء”.

كما يؤشر أن “هناك مواد في القانون قد تعامل مواطنين بالأحكام المشددة استنادا إلى أحكام قانون العقوبات، بينما يفترض أن تكون الأحكام وفق هكذا قوانين لا تتجاوز الغرامات لأن الأهداف من هكذا قانون هو حماية حقوق الحريات”، لافتا إلى أن “حرية التعبير وفق الدستور لا تحتاج إلى قانون ينظمها، بل ما يحتاج إلى تنظيم هو التظاهر السلمي أو الاجتماع بحسب الدستور”.

وكان تحالف الدفاع عن الحريات، أكد أمس الأول، أن الذهاب باتجاه التصويت على مسودة قانون عليها ملاحظات من المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، يؤكد وجود مساع كبيرة لتقويض الحريات في العراق، وفيما وصف القانون بـ”السيف المسلط على رقاب العراقيين”، أشار إلى أن مسودته تعاني من مشكلات عدة، وتجمع أكثر من قانون في قانون واحد، وتضرب بعرض الحائط ما كفله الدستور العراقي.

ويرى عبد الزهرة، أن “اتجاه تشريع هذا القانون، هو اتجاه سياسي بالدرجة الأساس، فالقوى المسيطرة على مجلس النواب حاليا ذاهبة باتجاه تكميم الأفواه، وهذه المسودة تتناغم مع توجههم نحو تقييد الحريات ليسلموا من النقد والحديث عن الفساد السياسي، لذلك هم يحاولون أن يجدوا مظلة لمنع كشف فسادهم من خلال هكذا قانون”.

ويشير إلى أن “رفض هذه المسودة لم يأت فقط من منظمات المجتمع المدني، بل حتى حكومة السوداني قدمت في بداية تشكيلها مجموعة ملاحظات إلى مجلس النواب وهذه الملاحظات أشارت إلى ما طالب به المجتمع المدني، لكن البرلمان أبى أن يأخذ بهذه الملاحظات وهو يحاول أن يمضي بهذه المسودة التي كتبت عام  2010بظروف بوليسية متوترة لا تتناسب مع مساحة الحريات الموجودة في 2024”.

وقصة هذا القانون بدأت منذ عام 2010 إبان تولي نوري المالكي رئاسة الحكومة، إذ طرح مشروع القانون في البرلمان بغرض التشريع، لكنه واجه انتقادات عدّة أسهمت في ترحيله، قبل أن يُفتح هذا الملف مجدّداً عام 2016 ليواجه العقبات ذاتها، ثم نوقش في آذار مارس العالم الماضي ولم يحظ بالقبول، والآن يحضر البرلمان المسودة نفسها وسط موجة من الاعتراضات.

وكانت لجنة الثقافة والإعلام النيابية، أكدت في 20 آذار مارس الماضي، أن قانون حرية التعبير عن الرأي والتظاهر السلمي أصبح جاهزاً للتصويت خلال جلسات البرلمان القادمة، لافتة إلى أن هناك ورش عمل وحوارات واجتماعات مع المختصين والخبراء ومنظمات دولية وتم الأخذ بجميع آراء ومقترحات الحكومة والتي تم إرسالها مؤخراً.

من جهته، يشير عضو لجنة الثقافة البرلمانية عارف عبد الجليل، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، إلى أن “قانون حرية التعبير عن الرأي والتظاهر السلمي عندما يكتمل من اللجنة المختصة يأخذ طريقه من خلال الرئاسة والدوائر التشريعية الأخرى لكي يكون ضمن جدول أعمال البرلمان في الفترة اللاحقة”.

وفي معرض رده على الاعتراضات التي ترى في القانون تقويضا للحريات، يرى أن “هذا القانون ينظم ويحمي الحريات ولا يقوضها، فكل الدول المتقدمة بما فيها دول الجوار تمتلك قوانين وأنظمة تقنن حرية الرأي، وليست هناك فوضى كما هو موجود في الساحة العراقية إذ أصبح التشهير وتسريب المعلومات الأمنية المهمة والإساءة، أفعالا طبيعية وتمارس كل يوم بحجة التعبير عن الرأي”.

ويشير عبد الجليل إلى أن “أي دولة يجب أن تمتلك قوانين وأنظمة لضبط الفوضى الإعلامية، وأن عدم امتلاك العراق هذا القانون يعد خللا تشريعيا كبيرا”، كاشفا أن “فترة ما بعد عيد الفطر ستشهد إدراج هذا القانون على جدول أعمال البرلمان”.

وتعرض ملف الحريات في الآونة الأخيرة، إلى “طعنات” عدة، فبعد أيام على قرار المحكمة الاتحادية القاضي بحجب التطبيقات التي تتضمن الإخلال بالآداب، صوبت وزارة الاتصالات نحو ملف الحريات مجددا، من خلال تقديمها طلبا لحجب تطبيق التيك توك، ما أثار انتقادات واسعة من ناشطين وحقوقيين رأوا في الخطوة تقييدا ومساسا بالحريات العامة وحرية التعبير.

وفي أعقاب ذلك، قام مجلس النواب بتعديل المادة 226 من قانون العقوبات العراقي 1969، ما أدخل موضوع الحريات العامة في غابة من الغموض والتساؤلات، إذ رأى قانونيون أن هذا التعديل أضر بالحريات أكثر.

إلى ذلك، يذكر مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية غازي فيصل، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، أن “من الضروري توسيع دائرة الحوار والاستشارة بين مجلس النواب ومنظمات المجتمع المدني ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلامي لإبداء الآراء حول القانون المتعلق بحرية التعبير عن الرأي التي كفلها الدستور، فهي واحدة من القضايا الأساسية في الأنظمة الديمقراطية، وهي الحرية الملتزمة غير المنفلتة التي تشكل اعتداء على حريات الآخرين”.

ويضيف: “لا يجوز أن يكفل الدستور الحريات في العراق، ثم يظهر قانون بعده يقيد هذه الحريات لأنها ستفقد قيمتها وتصبح حريات منقوصة، فعندما يعجز الكاتب أو الإعلامي عن توجيه النقد لمشكلات واختلالات النظام الاقتصادي والسياسي أو المحاصصة الطائفية تصبح الحرية منقوصة”.

ويرى فيصل، أن “هناك علاقة جدلية مهمة بين حرية التعبير عن الرأي وحقوق الإنسان التي أفرد لها الدستور تفاصيل عديدة، لذا لا يمكن أن نمنع الإنسان الذي يعاني من الظلم والفقر من حق الحديث عن هذه المعاناة والتظاهر والاحتجاج، وفرض القيود عليه بالمساءلة والمطاردة والاعتقال بواسطة القوانين التي من المفترض أن تحمي هذه الحقوق”.

ومنذ فترة حاول البرلمان تمرير قانون حرية التعبير عن الرأي والتظاهر السلمي، حيث أدرجه على جدول أعماله قبل أن يرفع منها بضغط من بعض الكتل السياسية، ويأتي ذلك بعد طرح قانون جرائم المعلوماتية، الذي رفع من جدول الأعمال بضغط أيضا.

إقرأ أيضا