وعادت الذكرى

يبدو الجمع بين الرحلة والسيرة الذاتية أمرا طبيعيا خاصة في حالات الفرار من الظلم كما حصل للعراقية ماري تيريز أسمر في سيرتها \”مذكرات أميرة بابلية\”، وخاصة إذا كان السارد يحكي قصته وما واجهه من صعوبات في طلب العلم وفي بلد غريب كما هو الحال بالنسبة ليوسف عز الدين في كتابة \”وعادت الذكرى\”.

 

وفي الحالتين يستغل الكاتب السيرة ليروي ما يتعرض له من مشكلات في أثناء رحلته، وقدرته على تذليلها والاستفادة منها في تكوين شخصية قوية ومتحدية وقادرة على التغلب على الصعاب لتحقيق النجاح المرجو.

 

وفي الحالتين أيضا، يستغل الكاتب السيرة في تقديم وصف لما يمرّ به من بلدان فيصف جمالها ونظامها وطبيعتها وحضارتها وعمرانها وأهلها وحياتهم وتقاليدهم وعاداتهم وطبائعهم.

 

وهو ما فعله عز الدين  فهو يحصل على بعثة في بداية الخمسينيات من القرن الماضي للدراسة في إنكلترا، ويقرر أن يأخذ الطريق البحري والبري وصولا إلى لندن، وعودة منها فيما بعد، لرخصه. ولأنه يريد أن يمرّ بأكبر عدد من البلدان والمشاهد فيستفيد معرفة وحكمة وتجربة، وهو ما يتحقق له.

 

يمرّ عز الدين بتركيا فيصف جمالها وآثارها ومكتباتها وما تحتويه من مخطوطات وطبيعة شعبها المتدين الذي يحب الإسلام ويكره العرب لأنه يعتقد أنهم تعاونوا مع الإنكليز على هزيمة الدولة العثمانية والتخلص من الخلافة الإسلامية.

 

وهو يمر بفرنسا التي لا يعجبه أهلها، وبألمانيا التي يجد في أهلها أناسا طيبين كرماء دُمرّ بلدهم بتأثير الصهيونية تُعاونها أمريكا للتخلص من قوة مالية ذات شأن ويمكن أن تشكل خطرا على الدولتين إسرائيل وأمريكا.

 

ويحتل الحيز الأكبر من كتاب \”وعادت الذكرى\” وصف لندن وأهلها وطبيعة الدراسة وما واجه الكاتب من صعوبات في تعلم اللغة والحصول على الدكتوراه.

 

ويتصف أهل لندن بالنظام وطيبة الخلق والدقة في المواعيد والابتعاد عن المجاملة وحب المساعدة للغريب. وهم لا يبخلون على الطالب العراقي بالمعونة والخدمة إلى أن يحقق مبتغاه وينال الدرجة العلمية.

 

والكاتب على طول الكتاب لا يتوقف عن تأكيد اعتداده بنفسه وعاداته وتقاليده ودينه وعروبته. فهو يترفع عن أي لهو أو سخف أو علاقة غرامية. ولا يتردد في الدفاع عن العرب والإسلام وإظهار أنهم ضحايا الاستعمار. وفي هذا السياق ينتقد في أكثر من مناسبة تساهل الغربيين في العلاقات العاطفية والجسدية والميل إلى اللهو حتى مع أنه يقدر مزاياهم الحضارية والإنسانية الأخرى ويقدر اختلافهم عن الشرقيين في كل شيء.

 

ومن ناحية ثانية فيوسف عز الدين وفي سياق مدح الغربيين والثناء على مزاياهم الحضارية والإنسانية لا يهمل أية مقارنة مع العراقيين والعرب والمسلمين ليبين الفارق الكبير بين الحضارتين. فبمقدار انضباط الغربي تكون فوضى الشرقي. وبمقدار احترام الفرد هناك لذاته يكون احتقار الإنسان في العراق والتعالي عليه، إلا إذا كان من ذوي الحسب والسلطة. وبمقدار سيادة القانون هناك يكون تجاوز القانون هنا لصالح الفرد والقبيلة والحسب. وبمقدار وعي الفرد – في بريطانيا والعالم الغربي عموما – وإحساسه بقيمته وبأنه صانع سياسة بلده والمسؤول عمن يحكم، يكون خضوع الفرد – في العراق وفي العالم العربي عموما – وجهله وضعفه وجبنه ونفاقه ورياؤه وعبوديته للحاكمين مهما كان جهلهم وحمقهم.

 

ولذا تجده يخلص من المقارنة الأخيرة إلى نتيجة مفادها: \”أن الديمقراطية لا تُفرض على الناس بالقوة، فالشعب العربي ما زال شعبا وثنيا يؤمن بالفرد ويقدس البطولة الشخصية ويركض وراء الزعيم متى لمع وظهرت عليه بوادر السيطرة والتسلط\”.

 

ولكن الكاتب ومع كل تلك المقارنات والوعي بحجم تأخر العراق والعراقيين وبأن أمامهم الكثير ليتخطوا آثار الاستعمار والحكومات الجاهلة وما تركته فيهم من تخلف وجهل فإنه يظل متفائلا بإمكانية الإصلاح، معولا في ذلك  كثيرا على دور المثقف والعالِم والفنان، ولذا لا يقبل بعروض البقاء في بريطانيا والعمل فيها. ويتمسك بالعودة إلى العراق، للعمل فيه ومن أجله ولمساعدته في النهوض والتطور.

 

وعموما يتمتع الكتاب الطويل نسبيا بلغة سردية متماسكة ومشوقة وممتعة حتى مع أنه كما قلت يتراوح بين الرحلة والسيرة ويغلب عليه الانفعال والميل إلى إصدار الأحكام السياسية والثقافية والاجتماعية.

 

وهو في تقديري شأنه شأن كتب عراقية كثيرة تنتمي إلى تلك الحقبة، جدير بالقراءة لإعادة الاعتبار لمرحلة ثقافية وتاريخية وسياسية جرى تغييبها بقصد وبغير قصد ويجب أن يُعاد التفكير في التعريف بها وتقديمها للإنسان العراقي بطرق مختلفة، التلفزيون والسينما من بينها ومن أهمها.

إقرأ أيضا