يوميات سقوط صلاح الدين (4): كيف تسلّح أبناء (ناحية المعتصم) خوف هجوم (المليشيات) بعد شائعات مغرضة؟

في صباح اليوم التالي استيقظت على أصوات مختلفة في المضيف، أفقت من نومي فزعاً، وحين رأوني قال أحد الشباب \”الصحوة نزلت\”.. فقد كانت مفاجأة كبيرة نزول الصحوة فجأة وانسحاب المسلحين، سألته: \”صحوة أبناء المنطقة نفسهم؟\”، قال لي أحدهم: \”لا إنهم جماعة أبو الفاروق\”، فقلت له: \”يعني أن صحوة سامراء هي التي نزلت؟\”، قالوا لي \”نعم إنهم صحوة سامراء\”.

 

أمسكت هاتفي وبدأت اتصل بكل معارفي لعل أحدهم يمكنه أن يدخلني لسامراء، وفعلا حصلت على رقم أحد أبناء قادة الصحوة وبيني وبينه قرابة بعيدة، اتصلت به فأخبرني أنهم الان يقومون باعداد متطوعين لسلك الشرطة ومشغولون جدا، ووعدني بأنه سيتصل بي لاحقاً.

 

بدأت انتظر الأخبار بلهفة، منتظراً أي خبر يحمل في طياته فرجاً قريباً، حتى حلقت طائرات الهليكوبتر فوق ناحية المعتصم، ما اعتبر مؤشرا جيدا على أن الجيش والشرطة أعادوا سيطرتهم على الناحية، وحين انتهى الغداء بدأت آمالي تتلاشى بالعودة، فقررت أن أعيد اتصالي بالشخص ذاته، لعله يجد لي مخرجاً من وضعي هذا.. لكنه أجابني معتذراً بأنه لا يستطيع أن يأخذني مع قوات الصحوة، لأن الوضع خطر، وأنه لا يضمن سلامتي، لكنه وعدني بأن الأمور ستتحسن قريباً.

 

شعرت بأن الدنيا قد ضاقت في وجهي، حتى أن الجميع لاحظ عليّ ذلك، وبدؤوا يعاتبوني لأني أشعر بالضيق عندهم، أخبرتهم بأني مرتاح عندهم، لكني مشتاق لبيتي وزوجتي وأطفالي.

 

في ذلك اليوم، خرجت الى الارياف، وكانت المنطقة جميلة جدا، وخالية من أي مظاهر للسلاح، حتى اني شعرت فيها بأمان غريب، وأحسست أنني بعيد بما يكفي عن كل الأطراف المتنازعة، حتى أنني فكرت لو أنني أستأجر لي بيتاً في تلك المنطقة لأكون آمناً على نفسي وعائلتي.. ربما في يوم ما.

 

عدنا للناحية مع أواخر وقت العصر، وكانت \”الشرطة الجديدة\”، تملأ مركز الناحية، لكنهم في الحقيقة لم يكونوا مقنعين ولا مطمئنين، أغلبهم من الصغار وقد بدا أنهم يحملون السلاح للمرة الأولى، لا مظهر ولا هندام يبعث على الطمأنينة.. اشتريت بعض الأغراض وعرفت أن الداخلية قد أصدرت أمراً بإعادة قائد الشرطة القديم عقيد \”س\” بعد أن عزلوه بتهمة اجتثاث البعث.

 

ربما أدرك الجميع ندم الحكومة على عزل الكفاءات، والدليل أن رئيس الحكومة حين زار سامراء كان بصحبته شخصيتان معزولتان \”البولاني، وأبو رغيف\”، وكان ذلك مؤشرا على حاجة الحكومة لذوي الخبرة.

 

في مساء ذلك اليوم، بدأت تصل على الهواتف النقالة لأهالي المنطقة رسالة موحدة مفادها أن \”أهالي الضلوعية يتفقون مع الحكومة على إدخال الجيش والمليشيات عبر الجسر من بلد، متوجهين نحو سامراء، نرجو من الجميع حمل السلاح والمقاومة\”.

 

كانت هذه الرسالة عامل تحفيز للجميع، وكنت أحاول تهدئة الأوضاع وأخبرهم بأن هذه الرسائل كاذبة، لكن بعض الشباب قالوا: بيوتنا على الشارع، ولو دخل الجيش سيحرقون بيوتنا ويهدمونها، وما نقوم به هو إخلاء بيوتنا، وحمل السلاح ضد الميليشيات.

 

في ذلك اليوم، كانت الكهرباء معدومة، وكنا نجلس في الحديقة على ضوء القمر، والهواتف لم تتوقف لحظة من الرنين، الكل يسأل ويترقب، كنت أحاول مرارا الاتصال بصديقي في الضلوعية، لكن هاتفه طوال الوقت مشغولا، ولم اتمكن من الحديث معه الا عند منتصف الليل، وحين أجابني كانت تتعالى عبر الهاتف أصوات كثيرة، حتى أني مازحته قائلا: شنو انت بملعب الشعب!!

 

ضحك وأجابني أنا الان في الشارع، ويقف الآن أكثر من 200 شاب حاملين مختلف الأسلحة، لأننا سمعنا أن المليشيات تحاول اقتحام ناحية الضلوعية من جسر بلد!!

قلت له: وما هو الموقف الآن؟

قال لي: وجهاء بلد وشيوخها سمعوا بنا واعتقدوا أننا سنهجم عليهم، اتصلوا بنا وأقسموا أن لا نية للجيش ولا للمليشيات باقتحام الضلوعية، ولن يعبر جندي واحد الجسر.

 

كانت كلماته كالماء البارد على قلبي، استطعت أن اطمئن الجميع، وقلت لهم إنها مجرد شائعات لغرض حمل السلاح والالتحاق بالمسلحين.

 

في تلك الأثناء وبعد منتصف الليل جاءني خبر سار، حيث قال لي أحد الجالسين: اليوم سمحوا لسيارات الخضراوات والفواكه بالدخول لسامراء من جهتنا لمدة ساعتين فقط.

 

كدت أطير من الفرح وقررت أن أتوجه فجراً مع المزارعين لعلي أدخل لسامراء أخيراً.

إقرأ أيضا