11 عاما من (الشوارب المحلوقة) في العراق.. استعادة لـ(شوارب كثّة جديدة)

1

كنا نسمع دويا مخيفا لمدافع تطلق قذائف لا تسقط على أي مكان، ولا ومضة تدل على إطلاقة قد تحولنا إلى أشلاء ولافتات سود تعلق في الساحات التي حوصرت برجال لبسوا شواربهم على طريقة صدام حسين.

 

ليلة غامضة سوداء مرت بهلع مكتوم في بناية قيد الإنشاء في موقع جامعة البصرة – باب الزبير، ليلة دخول المارينز إلى البصرة في 27 آذار 2003، تحولت فيما بعد إلى مكتبة كبيرة لطلبة الدراسات التاريخية، لكن تلك الليلة كانت خارج التاريخ، وتحسب ضمن نطاق العمر المهدور في بلاد يستفيق تاريخها على قذائف وينام على انقلابات. كانت تلك ليلة سقوط البصرة. 

 

عشية انطلاق الحرب المُدانة بعد 10 أعوام، والمُرحب بها بحماسة حين كان الديكتاتور البشع يُجند الناس لقتال \”العلوج\”، التحقت مع مجموعة من طلبة الجامعة بخلية للـ\”دفاع المدني\” الحضاري، غير أن مهمتنا الرئيسة، لم تكن إخلاء من يسقط جريحا أو قتيلا، بل كانت الحفاظ على مباني الجامعة ومكتباتها من \”الفرهود\” و\”الحوسمة\”.

 

البعثيون لبسوا \”خاكيّهم\” وتسلحوا بـ\”كلاشينكوفات\” صدئة وعيون تتوعدنا نحن المصفقين المستقبليين لسقوط \”ابن العوجة\” حين يفر بجلده من الحرب ليظفر بجلودنا؛ وتترجى الرحمة إن ضاقت بهم الأرض والثارات.

 

في ليلة 19 آذار 2003، ليلة الصواريخ الذكية والبوابات المفتوحة، شرعت بقراءة رواية صدام حسين المقيتة \”القلعة الحصينة\”، الرواية التعبوية المليئة بالقرف الإيديولوجي، والدروس الرفاقية السخيفة، حاول فيها صدام أن يكون بطلاً ورقياً، من بقايا مشاهد الأبيض والأسود الستينية، تخيّل إمبراطورية من \”صبينة\” التاريخ بصيغة الحاضر تتسلح بـ\”العقيدة\” و\”النصر الإلهي\” و\”مبادئ البعث\”، تتعرض لغزو من \”تحالف بربري\”، استعاد نفساً مناطقياً كريهاً مليئاً بفحولة كاذبة.

 

صلاح الشاب البعثي العصامي الأنيق والملتزم \”ابن الموصل\”، وسميرة الشابة المتعاطفة مع البعث والناجية من خيانة \”الوطن\” لجهة طائفتها \”الشيعية\” بوصفها \”ابنة العِمارة\” الجنوبية، يلتقيان في ساحة تدريب ببغداد، فتجمعهما قصة حب طروادي \”ماسخ\” إلا من مفردتي \”رفيقي ورفيقتي\” اللتين كانتا معادلا بعثياً وعبثياً لـ\”حبيبي وحبيبتي\”. حاول صدام أن يصادر الحب الذي \”استشهد\” في قلوب مليون عراقي سقطوا في جبهات القتال مع إيران، في اللحظة الرعناء التي قرر فيها اختطاف البلاد إلى مغامرة خاسرة بالتأكيد اسماها \”أم الحواسم\” بعد \”أم المعارك\”. قدرة رفيعة على اختلاق البطولة!

 

تيقنت مع سقوط أول صاروخ على بغداد، عقب الخطبة الرديئة غير الحماسية والمقتضبة التي ألقاها الرئيس بوش الابن من البيت البيضاوي، والأغنية السرّ التي بثتها (إذاعة سوا) لأصالة نصري \”سامحتاك كثير\”، وصوت فاضل مشعل، المراسل، الآتي من بغداد عبر الأقمار الصناعية، مرورا بواشنطن، إلى البصرة، الذي أعلن سقوط أول الصواريخ الأميركية على ما سيعرف لاحقا بـ\”المنطقة الخضراء\”، حينها كنت اجلس في باحة (كلية الدراسات التاريخية)، منتظرا كلمة لصدام حسين يعلن فيها الموافقة على مبادرة الشيخ زايد آل نهيان، لنطمئن أن \”وحش الانفلات\” لن يخرج من داجور القوميين و\”الجهاديين\”، تيقنت أننا أمام انقلاب هائل سيعصف بكامل المنطقة.

 

كانت الحرب قد اندلعت في \”رواية صدام حسين\” منذ أيام، لكنها لم تندلع بعد في عالم المهيب الركن المخصي بجيش منهك منذ حرب 1991، بدا \”أبو عدي\” منتصراً في حربه الكارتونية.

 

غادرت رواية صدام صبيحة التاسع من نيسان 2003، وبعد ساعات شاهدت من على \”تلفزيون الكويت\” الذي كان يصل البصرة عبر البث المغناطيسي الأرضي، مشهد سقوط صنم ساحة الفردوس، سقط الصنم، وسقط معه الخوف مضرجاً بالألم والدموع، كانت لحظة وحشية لم استطع فيها أن أتبين ملامح موقفي، كان مزيجاً من الارتياح والذنب.

 

2

بعد 11 عاما على \”التغيير العراقي\”، يجيء دور \”الربيع العربي\”. لم يكن مستساغاً حينها الحديث عن تحول العراق من \”حامي البوابة الشرقية\” إلى حجر الدومينو الأول في مشوار هدم الأنظمة الآيلة للسقوط، كان السايكو الذهاني العربي بأعلى مستوياته في 9 نيسان، بينما كان العراق أشبه بـ\”مخبول\” يحاول الأميركان السيطرة عليه بمزيد من \”الكيّ\”.

 

لحظتها كانت هناك نقاط دلالة من المهم الانتباه إليها، في ظل انكفاء الأنظمة العربية إلى ما خلف المتاريس الأمنية، والتحول من \”صديق للحرب\” إلى \”عدو للاحتلال\”، فلم تكن أسلحة الدمار الشامل هي الغاية، بل كسر \”قفل البوابة\” والدخول إلى أحراش المنطقة الغامضة، بزعمائها الحديديين، وشعوبها المشبعة بالهزائم وخيالات الأعضاء الذكرية المنتصرة.

 

المخيلة الأميركية لم تنزع الصورة النمطية عن الشرق الأوسط، شرق الجواري والإماء والخلفاء والرعايا المخلصين. فالرؤيا الأميركية أتت على وفق مزاج التاريخ، رغم أن بوش الابن كانت خميرته العقائدية أكثر فانتازية، اختلق مع \”غزوة البرجين\” في 11 أيلول 2011، ما دعاه إلى إطلاق الحرب الاستباقية على وفق عقيدة المحافظين الجدد، تحت تعبير \”الثمن المسبق للحرية\”.

 

\”الربيع العربي\” لم يكن وليد حراك شعبي، أو رغبة ثورية مفاجئة، بل كان ضمن مخطط الدومينو، ففي تشرين الثاني 2003، أعلن بوش أن \”ديمقراطية العراق ستتكلل بالنجاح، وإن ذلك النجاح سيصاعد وتيرة الأنباء التي ستتوالى من كل من دمشق وطهران لتقول إن الحرية يمكن أن تشكل مستقبل كل أمة من الأمم\”.

 

حين احرق محمد البوعزيزي، التونسي الشاب بائع الخضار في قصبة بولاية سيدي بوزيد نفسه، في 17 كانون الأول 2010، بدا وكأنه حكاية سينمائية مركبة على الواقع، لأن الحادثة \”البسيطة\” بعرف مديريات الأمن العربية منذ انفصالها المكوكي عن المحطات الاستعمارية الأم – الدول الكبرى – لا يمكن لها أن تحدث كل هذا الهياج \”الثوري\”، وتجعل الصورة النمطية بالأسود والأبيض التي استعرضها صدام في القلعة الحصينة، تتحول إلى لقطات عاجلة كإعلان سياسي ترويجي يترافق مع إعلانات \”مسحوق اريال\” و\”مبيد الحشرات\”!

 

الميديا وشبكات التواصل الاجتماعي والقطيعة الإيديولوجية والتاريخية مع مجتمع شاب ناشئ لم تختزن ذاكرته مشاهد الخطابات \”الرنانة\” للزعماء ومسيرات الاحتجاج على الاستعمار، ولم يجرب أقبية السجون العدائية البشعة، كان بحراً نائماً يموج وسط الطمأنينة السلطوية، كانت السبب، لكن الإرادة العالمية كانت محرضة وفاعلة باتجاه تضخيم الحدث ليبدو \”انقلاباً ديمقراطياً\”.

 

في آذار 1991، كان ثمة ربيع عراقي منسي، 14 محافظة عراقية انتفضت حينها، تهاوى النظام وأجهزته القمعية، لكن لم يكن هناك ثمة \”فتحة سرّية\” يدلف منها العراقيين إلى لحظتهم التاريخية، التي دلفت منها \”شعوب الربيع العربي\” اليوم، كان الخيار الدولي أن تُقمع تلك \”الثورة\”، ويتم توجيه العالم بعيداً إلى جهة أخرى غير معلومة، عقد مرّ والعراقيون ينتفضون، يأكلون الحصرم وينامون على خوف، فيما كان يمكن لدبابات شوارزكوف، أن تأتي إلى بغداد بسهولة دون أي مقاومة تذكر، ولم يكن لصدام حينها، تماثيل ونصب على عدد نفوس العراقيين، وكانت ساحة الفردوس خالية، ليستريح بها جنود المارينز بهدوء عدة أيام، ومن ثم ليرحلوا دون \”هزائم كاوبوية\” أو سجون سرية و\”منطقة خضراء\” محرمة وطبقة سياسية متخمة بالفساد والضعف وراءهم.

 

يقول كنعان مكية في استعادة لحرب 2003، ومراجعة أخطائها، نشرها في صحيفة الشرق الأوسط، إن \”انتفاضة 1991 حصدت نحو 200 ألف شخص بنهاية عام 1991، معظمهم شيعة من جنوب البلاد، حيث أنهم، بخلاف الأكراد في شمال البلاد، كانوا أسرى العوامل الجغرافية وطبيعة المنطقة (…) وقفت الجيوش الغربية والعربية، التي جاءت لتحرير الكويت، على التراب العراقي وهي تراقب، بل وحتى تتفاوض على استخدام المروحيات مع جنرالات صدام، بينما كان المتمردون يطالبون بالدعم والسلاح ثم قتل عشرات الآلاف منهم تحت وطأة قصف تلك المروحيات. فلم يكن خلع صدام حسين، وفقا لما أعرب عنه خبير تلو الآخر في وسائل الإعلام، جزءا من مهمة الأمم المتحدة المتعلقة بالحرب. وبالتالي، كان العراقيون العاديون يموتون أسرابا، بينما كان النظام العربي الذي يخضع كثير منه لقيادة مجموعة متماسكة من الطغاة يستعيد وضعه السابق بقوة الجيوش الغربية. وعندما ننظر إلى الماضي، يمكننا القول إن القتلى العراقيين مهدوا الطريق لما يحدث في الأجزاء الأخرى من الشرق الأوسط اليوم\”.

 

3

الآن؛ اللحظة التاريخية الفاصلة في حنجرة الزمن الغاص بالدم والإحباط والخيبة، كيف يمكن أن نُقيم التجربة عراقيا، كان العرب وصدام بشواربه \”الثخان\” والمجتمع الدولي، يعرفون جميعا أن سقوط بغداد، وقيام الجمهورية الثالثة بوصفتها \”الديمقراطية\” لا تحتاج إلى 130 ألف جندي مارينز، و9 أعوام من الاحتلال، كان الأمر بحاجة فقط إلى توجيه كاميرات التلفزيون إلى الداخل، والحصول على امتياز نقل البث الحصري لهرب صدام وقلعته الحصينة إلى حيث اللاعودة، لكن يبدو أن التاريخ لدى المحافظين الجدد، النقطة المركزية في الحدث كله، سقوط العراق بداية لصراع الرمزيات، صراع الصورة القديمة المستعادة، المحافظين الجدد بعقليتهم \”التوراتية\”، والإسلاميين الجدد بعقليتهم \”الغزواتية\”، صراع أضداد يخرج من الماضي ليخطف المستقبل. لعب الأميركيون على الهاجس العاطفي العراقي المطمور، 9 نيسان سقوط صدام يعني شيعياً إعدام الأب الروحي لحزب الدعوة الحاكم في العراق المتحول إلى السلطوية الآن.

 

حين حط بول بريمر ببدلته الأنيقة مع بسطال خشن أهداه إليه ابنه مع تعليق بسيط \”أهديك هذا البسطال لتركلهم جيدا يا أبي\”، كانت أول مهماته التخريبية الشاقة، تشطير الوطن إلى مسميات مقموعة بالفعل الاستعماري نفسه، غير أن صقر المحافظين الجدد جورج بوش الابن كان يريد \”تصحيح الخطأ التاريخي بأن تحكم الأكثرية، الأقلية\”. \”الربيع العربي\” المنطلق من المنبع العراق، جاء من اجل تجسيد هذه الفكرة أيضا. بات العراقيون على مفترق طرق، بعد هزيمة ربيع المارينز، وعودة \”الشوارب\” الكثة إلى الظهور بزي أفغاني في \”الغرب العراقي\”، وشوارب أخرى حكومية في بغداد برعاية \”الولاية الثالثة\”، فمرحى للأكثرية التي تتسلط على الأكثرية!

* صفاء خلف: رئيس تحرير \”العالم الجديد\”

إقرأ أيضا