الجانب الروحي في رواية روبنسون كروزو

روبنسون كروزو أحد أشهر الشخصيات في الأدب العالمي والتي تكاد أن تكون الوِحيدة في رواية الكاتب الانكليزي دانيال ديفو (1719- 1722) بروايته بنفس الاسم والتي تعد من اوائل الروايات التي نشرت في العالم وهي تحكي قصة بحار إنجليزي شاب تحطمت سفينته في جزيرة بالقرب من سواحل امريكا الجنوبية وعاش وحيدا فيها لمدة 28 عامًا معتمدا على قدراته الخاصة حيث يستخدم ذكاءه العملي وسعة الحيلة للبقاء على قيد الحياة في تلك الجزيرة النائية التي لم تطأها قدم إنسان قبله في مواجهة الصراع من أجل البقاء.

طبعت الرواية لأول مرة في 26 ابريل 1719 وقد اعتقد قراؤها أنها رواية حقيقية سرد فيها مؤلفها مذكراته، ربما جاء ذلك الاعتقاد بسبب تشابه ما يحصل في الرواية من حوادث كانت تتكرر في اعالي البحار والتي كان يسمع عنها في القرن الثامن عشر وما قبله، مما عمّق ذلك الشعور لدى القراء خصوصا وقد وردَ وصف الجزيرة بأنها نائية استوائية تبعد أربعين ميلا عن سواحل فنزويلا باتجاه ترينيداد حيث حدثت القصة في 30 سبتمبر1659.

اعتبرت الرواية اول عمل في الادب الانكليزي وصنّفت على أنها من روايات الخيال الواقعي وقد طبعت اربع مرات قبل نهاية عام 1719 بل وكانت اكثر الكتب انتشارا حتى نهاية القرن التاسع عشر، اثّرت كثيرا في الادب العالمي مما دفع الكثير من الكتاب أن يؤلفوا روايات مماثلة أو قريبة منها.

ربما بنى ديفو جزءً من روبنسون كروزو على تجارب الحياة الواقعية لألكسندر سيلكيرك، وهو بحار اسكتلندي تم وضعه على الشاطئ بناءً على طلبه في جزيرة غير مأهولة بالسكان في عام 1704 بعد مشاجرة مع قبطانه وبقي هناك حتى عام 1709 لكن ديفو ابتعد في روايته كثيرا عن قصة سيلكيرك واضاف إليها أبعادا مهمة وعميقة من خلال مزج تقاليد السيرة الذاتية البروتستانية الروحية مع التمحيص المستمر لطبيعة البشر كمخلوقات اجتماعية تتفاعل سلبا وايجابا تبعا للظروف التي يمر بها مما يؤثر على مفاهيمه ومعتقداته وتوجهاته العقائدية .

مشكلة الرواية في اللغة العربية أنها لم تترجم ترجمة كاملة بل اعتمدت التراجم على استقطاع اجزاء منها يخص فقط عالم المغامرات المشوق مما جعلها تُفهم خطأ بأنها تقتصر على ادب المغامرات المسلي لا اكثر .

رواية روبنسون كروزو في جانب مهم منها ليست مجرد رواية مشوقه تعتمد على المغامرات الانسانية والمعاناة الشديدة والغريبة التي يمر بها كروزو بل أنها رواية تحتوي على مضمون روحاني ديني عميق قلما يسلط الضوء عليه في تناول الرواية خصوصا وإن معظم الترجمات إلى اللغة العربية اقتصرت على انتقاء المغامرات والاحداث المشوّقة التي مر بها بطل الرواية في الجزيرة حتى اصبحت في اللغة العربية قصة من قصص الاطفال اكثر منها عمل ادبي رصين ذي مضمون وجداني مهم. هنالك استثناء واحد لترجمة الرواية عندما تمت ترجمها في القرن التاسع عشر ترجمة كاملة منصفة إلاّ ان تلك الترجمة فقدت بعد أن نفذت من الاسواق ولم يكرًر الناشر اعادة طباعتها لظروف مجهولة.

نُشرت روبنسون كروزو خلال فترة التنوير Enlightenment Period في القرن الثامن عشر، يسلط مؤلفها دانيال ديفو الضوء على جوانب مختلفة من المعتقدات الروحانية، لذا يمكن اعتبارها سيرة ذاتية روحية لبطل الرواية حيث تتطور آراء كروزو ومواقفه من المعتقدات الدينية بشكل كبير وتتقلّب داخل شخصيّته عما كان يعتقده في بداية حياته حينما كان مستقرا بين عائلته.. فتستمر تلك التقلّبات بشكل عميق حينما يكون وحيدا على جزيرته.

إن مسيرة تحول كروزو من العصيان إلى الطاعة تعد رحلة واقعية لكل إنسان مشتّت رافض التقاليد والاعراف وكذلك هي رحلة من النفور من الايمان إلى نعمة الايمان بالله ورحمته ، لقد تم بناء تطور هذا الموضوع الروحي تدريجيًا متماشيا مع التجربة والاحداث المرعبة التي يمرّ بها في الرواية ورغم كل ماورد في الرواية من بحث روحي داخل الانسان إلا إنها لاتعتبر روية دينية تبشر لعثيدة معينة بالذات.

إن ما حدث لبطل الرواية الشاب في وحدته العصيبة قد طوّره فكريّا حتى بدأ مناجاته للرب بسبب وحدته فلايوجد غيره احد يحدثه ويتبادل افكاره معه فقد كان الرب ملجأه الوحيد في كل خطوة يخطوها وفي كل ظرف عصيب يمر به وفي أية محنة ينجو فيها سواء من حيوان مفترس أو من أكلة لحوم البشر الذين ارعبه اكتشاف اثار خطاهم ومن ثم مشاهدته لهم وهم يقيمون وليمة شواء لأحد اسراهم .فبات لياليه قلقا من أن تنتهي حياته هناك في وليمة يقيمونها على جسده فتندثر اخبارة ولن يعرف سره احد..

يذكر بطل الرواية في مذكراته أن وفي السابع والعشرين من اول حزيران (يونيو) وهو في الجزيرة: “كانت العاصفة شديدة جدا لدرجة أنني استلقيت على سريري طوال اليوم قلقا ولم أتناول الطعام أو الشراب ابدا من شدة الهلع”.

ويكتب في تجربة اخرى:”كنت على استعداد للموت من العطش رغم أني كنت ضعيف جدًا لدرجة لم يكن لدي القدرة على الوقوف … وفي خضم تلك المعاناة والمخاوف حاولت أن اصلي لله ليحفظني لكني كنت جاهلاً لدرجة أنني لم أكن أعرف ماذا أقول فقط رقدت وصرخت يا رب ، انظر إليّ يا رب اشفق علي يارب، ارحمني”.

لقد وضعت الاحداث التي مرّ بها كروسو في الجزيرة أمام تجربة روحية فريدة نادرة فهو ذلك الشاب الطموح المتمرد على رغبات اهله والذي رفض أن يكمل تعليمه الديني اسوة باقرانه لتفضيله حياة المغامرة من اجل كسب العيش وترقية منزلته الاقتصادية والاجتماعية ليشبع طموحه في الحياة فهو يمثل طائفة شباب جيله المتمردين المتناقضين فهو من جهة ليس فاقد الأيمان تماما لكنه جاهل بالدين ومبتعد عنه لذا لم يتعرف على الدين بالطرق التقليّدية أي لم يتقولب ضمن التعاليم المعروفة، كانت تجربة عمليا فريدة في أن يتاح لشاب مثله أن يعيش لوحده سنين طويلة في حياة مجهولة كي يضطر إلى أن يفسر الكتاب المقدس وفق رؤيته المتأثرة بتجربته الحياتية المخيفة في تلك الجزيرة النائية.

فكل ما مرّ به تفاعل مع تفسيره الروحي الخاص، الامر الذي نتج عنه فكر روحاني وسلوك شخصي غير تقليدي ولكن في نفس الوقت ليس في الامر نقد للتقاليد الدينية التي كانت سائدة بل أنها مجرد وجهة نظر اخرى ورؤية روحانية فريدة غير متأثره بقوالب محددة متعارف عليها كونه اساسا يعيش بعيدا عن أي من تلك المجتمعات لسنين طويلة حتى اعتقد أن الرب قد وضعه في هذه المحنه ليعرف الله بطريقة مثالية ومميزة..

فشخصية روبنسون كروسو المتمردة لم يكن يعيها في شبابه حينما عاش في احضان عائلته لذا اعتبر أن من حقه الطبيعي أن يتمرّد على رغبة والديّه في أن يدرس القانون كي يعيش حياة تقليدية يتمناها له والداه لضمان حياة ابنهم ومستقبله،لكنه كسرَ قلبهم ونفر من كل طموحاتهم فيه وآثر المغامرة في حياته وفضّل ركوب المخاطر على ظهر سفن ما كان مقدرا لها أن تنجي كل من ركبها في كفاحها مع الامواج العاتية.

ففي كل مرة يبحر فيها كانت تحتاج إلى اعجاز الهي كي تصل بسلام ، ورغم فشله في تجربة ابحاره الاولى التي اوقعته اسيرا ومن بعدها استطاع أن ينجو بنفسه مع بعض رفاقه من الموت الذي كان ينتظره إلاّ أنه عاد مرة اخرى لركوب الامواج والمخاطرة بروحة رغم أنه عاهد الرب وهو في الاسر أن لايعيد الكرة مرة اخرى ابدا في حياته إن نجّاه الله من تلك المحنة التي كادت أن تودي بحياته ، ورغم توسل والديّه به للعدول عن خوض تجربة اخرى خطرة يجازف بها بحياته إلاّ أن روح العصيان ونكث العهد كانت تنازعه وتنتصر في الاخير دائما.

عندما تحطّمت سفينته في المرة الاخيرة التي كانت تقله إلى اميركا الجنوبية مع رفاقه بعد أن مرّت بظروف مناخية رهيبة في الصراع مع الطبيعة المدمرة فقد الوعي تماما ولم يعرف ما الذي حدث أبدا بعد أن عاد إليه وعيه ليجد نفسه على شاطيء جزيرة غريبة وحيدا فيها فاحتار في فهم وتفسير امره.

زار حطام سفينته عدة مرات كي يجمع مايمكن انقاذه ويستفيد منه ليحمي نفسه ويتأقلم في حياته الجديده.. وسط معاناته في الايام الاولى كان هنالك تساؤل يتكرّر عليه مرات عديدة تمنى لو يستقر على جواب تطمئن إليه روحه حتى اضطربت هواجسه كثيرا ، فهل موت جميع من كان معه على ظهر السفينة ونجاته لوحده كان نعمة أم نقمة؟!

هل هي رسالة من الرب ليعرف أن نجاته كانت بفضل دعوات والديّه كونهم صلوا لربهم بقلوب مؤمنه لحفظه ، أم نجاته كانت عقوبة له كي يعيش حياة لايمكن أن يتمناها احد من رفاقه على السفينة فانقذهم الرب بموتهم واراحهم من هول حياته ومشقتها في تلك المحنة التي كان عليه أن يعايشها في الجزيرة “فمن هو الناجي الحقيقي هم أم أنا؟!”

ظلت تلك التساؤلات تضطرب داخل وجدانه طوال السنين الاولى التي عاشها وحيدا في تلك الجزيرة المنعزلة ففي كل مرة يقنع نفسه باجابه ترتاح لها نفسه لكنه سرعان ما يناقض نفسه بتفسير آخر مناقض لما قبله ، ففي كلتي الفرضيتين كانت هنالك مسببات مقنعه رغم تناقضهما وهنا تكمن الحيرة .
لكن الاهم في الامر أن تلك التساؤلات وتفاعلها مع الاحداث جعلته يضطر لمناجات الرب ويقترب منه حتى بدأت روحة الشاردة تطمئن إليه رويدا رويدا ، فمع شدة المخاوف التي ارعبته بدأ يشعر أن ضميره الروحي بدأ يتفتح نحو الرب وقد مهد له الطريق نحو التقرب الى الله.
هكذا تطوّرت رحلته الايمانية الخاصة لتصل إلى فهم الله أكثر مما هو مجرد ايمان بالله بعد السنين الطويلة من مناجات الله.

كان في كثير من الاحيان يعود إلى الكتاب المقدس الذي وجده من بين الاشياء داخل حطام السفينة قبل أن تغوص في البحر تماما، كان يفسّر الكتاب المقدس وفق هواه ورؤيته التي املته عليه تجربته القاسية والغريبة.

فالخلاصة التي وصل اليها الكاتب من حياة كروسو الروحية هي” أن تؤمن بالله شيء طبيعي ولكن أن تفهم الله فتلك هي المعجزة الاهم” .فالكتب المقدسة تجعلك تؤمن بالله لكن تجارب معينة وظروف قاسية مثل التي مرّ بها كروزو كفيلة بأن تجعلك تفهم الله.

مرت عليه الايام والاشهر والاعوام الطويلة يعاني من العزلة الشديدة يقضي فيها بعض من اوقاته مع حيواناته التي دجنها ،فمنها ببغاءه ليتحدث معه لكن أدرك تماما أن لاشيء يعوض التواصل مع البشر لذا حتّمت عليه عزلته أن يلجأ إلى الله خصوصا في زمن الاضطرار بحثا عن العزاء والهدى في أوقات الشدة فيفتح الكتاب المقدس على صفحة عشوائية ويقرأ آية يعتقد أن الله جعلها اختيارا له ليقرأها. كان يراجع الكتاب المقدس حتى حفظ معظم الآيات بسبب عمق قرائته لها فقد كانت قدره حتى ادرك أن نجاة الكتاب المقدس بين اشياء قليلة وعثوره عليه في ذلك الجزء من السفينة المحطمة هي الاخرى رسالة قدريه ينبغي عليه ان يفهمها.

كانت الكلمات الأولى التي ظهرت له عندما لجأ إلى الكتاب المقدس بعد ان مر في احدى تجاربه العصيبة هي: “ادعوني في يوم الضيق، وأنا أنقذك ، وأنت تمجدني”.

كانت تلك الكلمات مناسبة جدًا لحالته، وكانت تترك انطباعا عظيما في أعماقه وقت قراءتها، بدأ يؤمن بما يقرأ لدرجة يطابق بين حالته ومايرد من قصص فيه، بدأ يتساءل “هل يستطيع الله بنفسه أن ينقذني من هذا المكان كما فعل عندما وعد المؤمنين به بأن نشر الله مائدة لهم في البرية”.

وهكذا تسير الامور فهو ضعيف الإيمان بالله من نمط الفتيان الذين في مطلع حياتهم يعيشون زهو الحياة مؤمنين بقدراتهم مغرورين بها يندفعون في بناء حياتهم معتمدين على غرور قدراتهم لدرجة التهور حتى وضعه الله في امتحان عسير كي يعي الحقيقة، ويتنازل عن غروره بل وينكسر غروره ويدرك بنفسه أن قدرة الله تعالى هي المسيرة للحياة الحقيقية وكل شيء يحصل بمباركة منه.

عزّرت كل تلك التوجهات الروحية فيه تجربته مع جمعة القادم من مجتمع آكل لحوم البشر بعد أن انقذ حياته من وليمة كاد أن يكون فيها طعاما ساخنا لقبيلة اصطادته، فقد اعتبر انقاذه له هو قدر الهي وضع كلتيهما فيه ليعيشا معا فيقرّر بارادة إلاهية أن يثقف جمعه بثقافة يمحي فيها الثقافة الوحشية لآكلي لحوم البشر وهي مهمة عظيمة كما يراها كروسو فتبناها واسرف في بذل مجهود كبير لتعليمه قليلا من الحضارة اولا ،وبعد ذلك تطوير مفاهيمه الروحية وترقيته.

وقد ارتقى جمعة قليلا إلى المفاهيم الجدية وتقبلها بشكل ملفت خصوصا بعد أن شارك كروزو في تأبين كلبهم بعد وفاته اثناء دفنه فعرف جمعة أن للكلب روحا ايضا تحتاج إلى قدّاس تطمئن فيها روحه قبل دفنه بعد أن كان لايتألم عند تناول جسد البشر بكل شراهة فاصبح الفارق كبيرا جدا بين ماضيه وحاضره.

فالتغيرات الروحية والمفاهيم التي ارتقى إليها جمعة كانت قضية مهمة في الرواية تعكس الاثر الروحي على سلوك الانسان فجمعة قبل سنوات على النقيض تماما من جمعة روبنسون كروسو.. هنا تكمن اهمية البعد الروحي للرواية والهدف السامي منها.

الفكرة السامية للرواية هي عملية فلترة روحية لانسان متمرّد صعب عليه أن تستسلم روحة للايمان الا بعد مروره لمحنة قاسية ومرعبة استمرّت ثلاثة عقود من حياته ليعود بعدها إلى اهله وقد ادرك قوة الإرادة الالهية ودورها في حياة الانسان.

إقرأ أيضا