ما هي الحروب الشاذة التي تعيشها مهنة المحاماة (3)

تكملة لمقالاتنا السابقة في نفس العنوان، نتناول في الجزء الثالث، المحور الثالث في الحروب الشاذة…

تكملة لمقالاتنا السابقة في نفس العنوان، نتناول في الجزء الثالث، المحور الثالث في الحروب الشاذة التي تعيشها مهنة المحاماة، وهي:

 

(المقاطعة والاعتصام ضرورة مؤازرة المحام للنقابة، والتزامه بتنفيذها بمهنية وانضباط عالي).

 

يجب ان يكون العمل النقابي حقا دستوريا ليستمد المحامون حقوقهم في الوجود بالعمل المهني والنقابي من الدستور مباشرة، ولابد من وجود تشريع يحمي النقابة ويحدد وينشئ ويقر حقوقها وواجباتها وعلاقاتها مع سلطات الدولة الثلاث، وتحتاج النقابة الى جهد مضني وكبير لأجل النص على هذا الحق (تشكيل النقابة) في الدستور الذي يحكم استقرار هذا الحق ويصبح حقاً طبيعياً يجب احترامه.

 

انه لمن الضروري، أن يقف المحامون اليوم بكل جرأة وشجاعة على ما أفرزته عقلية التعاطي الحالية مع قطاع المحاماة من سلبيات جمة أهمها ظاهرة عدم المبالاة والعزوف عن متابعة ما يحدث للمحامين بصورة خاصة وللمهنة المحاماة عموما، وما افرزته هذه المرحلة من تكتلات تعمل وفق مصالحها، الأمر الّذي عمّق تشتُّت المحامين وأضعفهم أمام تعدّد القوى، وزاد من تعميق الهوّة في العلاقة بين النقابة والمحام وبين المحامين والقضاة، وكذلك تنامي ظاهرة العداوة المفرطة بين المحامين بسبب اختلافاتهم المذهبية والقومية والسياسية في قطاع من أهم سماته التضامن والشعور بالانتماء الى عائلة واحدة.

 

ان هذا التردي المستمر الذي يحيق بالمحاماة والسلبية المفرطة من جانب بعض القيادات المهنية رافقها اداء غير مشجع من النقابة في التواصل مع المحامين والإحساس بمشكلاتهم وألية إيجاد الحلول المناسبة لها، خصوصا هناك اعتداءات وانتهاكات وممارسات تعسفية تصدر بحق المحامين، والنقابة وكثير من المحامين يتحدثون بعبارة (كرامة المحامي خط أحمر)، لكن الانتهاكات بحق المحامين تتنامى ولم ولن تتوقف، ولا اريد ان اقارن ذلك مع يتحدث به السياسيين والحكومة عن موضوع السيادة في الارض خط احمر والسيادة في السماء خط اخضر، لا سيما ان وجه المقارنة بدأ يتطابق مع وضعنا نحن المحامين ككل، فحينما يكون هناك اعتداء على المحامي يصحبه امتهان لكرامة المهنة، وتبدأ معه النقابة بالمطالبة بالاعتصام او المقاطعة، يقابله تقاعس وتجاهل كبير من عدة محامين، وفي بعض الاحيان يكون مقصودا وعمديا لأجل تصفية حسابات شخصية غير مهنية، مما اسس لممارسات عنوانها البارز، كرامة المحامي ليست خط احمر، وهذا حدث سابقا؛ عندما كنت رئيس غرفة المحامين في المحكمة الجنائية المركزية، حيث اعتقل بطريقة متعسفة احد اعضاء مجلس النقابة(السيد النقيب الحالي)في المحكمة، ونظمنا اعتصام في المحكمة الجنائية المركزية لأجل اخراج القيادي المهني(مشرف على غرف محامين الكرخ) وعملية اعتقاله لم تكن منسجمة مع الفعل المنسوب له، وعملت جاهدا على تطبيق المقاطعة بجدية، ونفذ الامر محامين عديدين، لكن هناك نفر ضال كان سلبيا جدا ورفض تنفيذ الاعتصام، ودخل الى المحكمة ومارس عمله المهني، بل واخبرني هذا النفر، بان بعض القضاة سيقومون بفتح شكاوى عليّ وعلى اعضاء هيئة الانتداب، مع العلم كنت في تلك الممارسة بمفردي، والحمد لله نجحت المقاطعة، لكن المؤسف والمثير للاستغراب، اننا سلمنا اسماء من لم يلتزم بتطبيق المقاطعة، على امل معاقبتهم مهنيا لكن تم تسويف الامر من النقابة، ولم يتم معاقبتهم ولا حتى طلب حضورهم، مما ولد حالة من الاحباط لدى غالبية محامي المحكمة وتلك كانت ممارسة غير موفقة.

 

ان نقابتنا هي قلعة الفرسان، وتحتاج منا مؤازرتها؛ لان فارسا بلا كرامة أمر لا يستقيم، ولا ينسجم مع مقومات مهنتنا؛ وكرامتنا وكرامة المحامي في الفترة الاخيرة بدأت تنتهك بصورة مؤلمة؛ وهيبة ووقار المهنة بات مستباحا كسماء العراق، لكل من تسول له نفسه التعرض لها دونما حساب أو عقاب، بسبب عدم تكاتف المحامين مع نقابتهم في التصدي لتلك الممارسات من خلال تفعيل اي اجراء تتخذه النقابة، وترك مسالة النقاشات والصراعات والتصفيات والمماحكات والتناقضات والسلبيات الى جنب، وان كانت موجودة، علينا تركها جانبا وقت العمل الجمعي، ونتحاور فيها فيما بيننا، لا ان تكون مدار نقاشات في غرف مظلمة، ونحط ونطعن ونتهم وتُدبر المكائد وتعد الخطط وتحاك المؤامرات، وتبدأ وتيرة العمل التسقيطي الشخصي شاخصة ومعرقلة، وبطريقة فجة تفوح منها عطور خبيثة غير مهنية، تنال من نقابتنا وشيوخها القيادين ومن اسم قلعة الفرسان.

 

وكل ما كانت المواقف عظيمة وداعمة ومؤيدة، تكون النتائج ذات أثر منتج وفَعّال، وعلينا ترك المداهنة والمحاباة والتباكي على امور عنوانه البارز والابرز، يتعلق مسائل الكرامة، لكن المخفي غير مهني.

 

فهناك ضرورة بان يتم ادراج مادة في قانون المحاماة الجديد يتيح للنقابة إلزام المحامين باتخاذ اجراء المقاطعة او الاعتصام، في حالة هناك ضرورة لذلك ووفق ما يقرره مجلس النقابة، لاسيما أن المقاطعة والاعتصام عند اعتقال محام او الاعتداء عليه، تعطي نتائج وإشارات تصب في عدة اتجاهات منها:

 

الأول: يثبت لجميع من يتعامل مع المحامين من قضاة وادعاء عام وأجهزة أمنية وشرطة إن النقابة ممثلة بنقيبها وأعضائها لن تترك المحامي وحده في مواجهة أي تجاوزات تحدث معه، وانه في حالة حدوث أي تجاوز سيكون للنقيب والأعضاء وقفة حازمة وتصعيد للأمور إلى أعلى جهات الدولة، وبالشكلية التي تعزز مهنة القضاء الواقف بتفسيرها الحقيقي.

 

ثانياً: المقاطعة والاعتصام تعطي انطباع أن الموضوع لم يعد تعرض لمحامي لتجاوز ما، ثم اللجوء إلى الشكوى وانتظار رد الفعل؛ بل انه بإصدار قرار المقاطعة أو الاعتصام (ولو لمحكمة واحدة) يصبح الحل في أيدي المحامين أنفسهم ويكون المحامون هم من يقوموا بمعاقبة المتجاوز بعدم الحضور أمام محكمته.

 

ثالثاً: صدور قرار المقاطعة آو الاعتصام وتطبيقه في محكمة من المحاكم يعطي انطباعاً بان ليست هناك حصانة لأحد مهما كان، طالماً هناك تجاوز وهدر للشرعية الممثلة في حصانة المحامي المنصوص عليها في القانون.

 

رابعا: نجد عندما تطرح مسألة المقاطعة من قبل النقيب أو بعض الأعضاء أو قسم من الهيئة العامة للحفاظ على كرامة المهنة نجد انه في الجانب الأخر تصرف بعض من ينادون بالحفاظ على كرامة المحامي ليلا ونهار تصرفاً مختلف تماما، فبمجرد انعقاد النية لإصدار قرار المقاطعة يملئون الأرض ضجيجا بأنه لا يجوز صدور قرار المقاطعة ومن الأفضل تقديم شكوى وينتهي الأمر، بل ذهب البعض منهم إلى إن حبس المحامي مسألة جوازيه من سلطة القاضي، متناسين إن هذه السلطة مقيدة بعدة أمور قانونية لابد للقاضي أن يراعيها قبل اتخاذ أي إجراء والمحامين يمتازون بالذكاء الكافي ليدركوا أسباب هذه المواقف لان المحامي لا يحب ابدأ أن يرى كرامته وكرامة مهنته تكون رهينة تحت ظل امزجه وأهواء أو اجتهادات القضاء والسلطة التنفيذية.

 

وبالطبع لم يكن المطلوب صدور قرار المقاطعة أو الاعتصام والاستمرار فيه إلى فترة طويلة بل مطلوب إرسال رسالة رمزية إلى جهات كثيرة وأهمها السادة القضاة وان مضمون الرسالة هي، للمحامي حصانة نص عليها القانون وان النقيب والنقابة لن يتهاونا أبدا في هذا الموضوع لاسيما إن اعتقال وحبس المحامي لم يكن فقط نتيجة تجاوز فردي بل كان نتيجة قناعات موجودة لدى عدد كبير من القضاة يدعمه توجه فعال من قسم من الاجهزة الامنية، وقد ظهر ذلك جلياً عندما صرح الناطق بلسان مجلس القضاء الأعلى الموقر (عبدالستار بيرقدار) عند توقيف المحاميان( ف ب، ع ق) في عام 2011 وقد نشر ذلك بالصحف، والذي أكد فيه حق القضاة بحبس المحامي المتجاوز لذلك تبدو أهمية المقاطعة في حينها فاعلة جداً حتى تصل الرسالة إلى كل من يفكر في مثل هذا التجاوز على حق المحامي، وتحضرني في هذه النقطة ما فعلة الأستاذ (سامح عاشور) عند توقيف محامي في إحدى المحاكم في مصر في شهر شباط من 2005 حيث أعلن مقاطعة المحاكم إلى إن أعلن مجلس القضاء الأعلى المصري اعتذاره وإحالة القاضي إلى التحقيق وهذا معناه ان رسالة المقاطعة وصلت وحققت كل ما كانت ترمي إليه، وفي حادثة اخرى:

 

قال سامح عاشور، نقيب المحامين (.. إن الاعتداء على المحامين الأربعة مرفوض … وإنهاء الأمر ودياً لن يحفظ كرامة المحامين،…) و(أنهى عشرات المحامين اعتصامهم بمحكمة شبرا الخيمة،.. بعد اعتذار اللواء سعيد شلبى مدير أمن القليوبية، ورئيس محكمة شبرا، للمحامين عن واقعة الاعتداء على زملائهم..).

 

وتعرض اثنان من المحامين المصريين للاعتداء بالضرب من قبل أحد أفراد قسم شرطة أكد سامح عاشور نقيب المحامين، لـ”الوطن”، استمرار اعتصام المحامين أمام قسم أول مدينة نصر حتى إقالة وزير الداخلية، وأكد سامح عاشور على مشاركته في مسيرة رد الكرامة غدا بأذن الله ويدعوا جميع الساده المحامين للمشاركة توحيدا لصف المحامين، وكان نقيب المحامين، قد تلقى أتصالا من ألرئيس محمد مرسي أستمع فيها الرئيس خلالها لمطالب المحامين، وكان عاشور التقى أمس، مع وزير الداخلية، محمد إبراهيم.)

 

لذا من المؤكد في العراق، نحتاج الى مسيرات واعتصامات ومقاطعات لرد الكرامة عندما تنتهك، تقوم بها النقابة(مجلسا ونقيبا) ويؤازرها المحامين والمحاميات، بكل قوة ورباط، لتكون النتائج فورية وتحفظ الكرامة.

 

نتمنى أن تكون عنايتكم باستقصاء أخر الكلام أتم منها في أولها، وأن يأخذ الحق والقانون من المحامي منبرا

 

علينا ان نقف بالمرصاد لكل من يحاول أن يخطف نقابتنا ليحقق طموح حزب أو جماعة أو طائفة ما أو طموحه الشخصي مؤمنين بأن المحاماة لابد أن تقوم من كبوتها وأن يعود لها شأنها وكرامتها وعزتها ولا نبتغى غير رضا الله عنا في رسالة نحتسب أجرنا فيها عند خالقنا عز وجل.

أقرأ أيضا