جثة مهرجان: أحمد عبدالسادة

بعد اختتام فعاليات مهرجان المربد أرى نفسي ملزماً بالمشاركة في عملية دفنه الجماعية، وبمسك حفنة…

بعد اختتام فعاليات مهرجان المربد أرى نفسي ملزماً بالمشاركة في عملية دفنه الجماعية، وبمسك حفنة من التراب – كما فعل العديد من الشعراء والمثقفين – ورميها فوق جثته الأخيرة!!.

 

لنعترف في البدء – وليعذر أصدقائي منظمو المهرجان صراحتي – بأن مهرجان المربد أصبح مناسبة للاستعراض الإعلامي واللقاء الاجتماعي، فضلاً عن كونه أصبح في نسخته الأخيرة مناسبة للهدر المالي في زمن التقشف!، الأمر الذي جعله عبئاً إضافياً على ميزانية الدولة المنهكة والمستنزفة والمنهوبة أصلاً، ولا شك أن هذا التوصيف ينسحب على “كل” المهرجانات الشعرية العراقية، إذ لا أعرف ما الجدوى الثقافية من الإصرار على إقامة مهرجانات “شعرية” أثبتت عدم فاعليتها في ظل ظاهرة عدم الإصغاء العام للشعر “المُلقى” من فوق منصة أصبحت أشبه بقطعة آثارية في زمن “الفيس بوك”!!.

 

لا شك أن ظاهرة عدم الإصغاء للشعر المُلقى ليست هي الظاهرة الوحيدة المقترنة بمهرجان المربد، بل تقترن به أيضاً ظاهرة مزمنة أخرى يمكن أن نسميها ظاهرة “النسيان الثقافي”، وخلاصتها أن الكثير من المثقفين والشعراء يخرجون من كل دورة لمهرجان المربد، وهم يصبون تذمرهم وشكواهم وحنقهم على بؤس تنظيم هذا المهرجان وعلى رداءة الكثير من القصائد المقروءة فوق منصته، وعلى المحسوبيات و”الواسطات” التي تتدخل في عملية توجيه الدعوات وفي عملية إدراج بعض الأسماء في الجلسات الشعرية، وعلى اللغط الذي يتعالى من الجمهور – إن وجد!! – عند قراءة الشعر، ولكننا نرى أن هؤلاء المثقفين والشعراء المتذمرين والحانقين أنفسهم يلصقون، في الدورة المقبلة للمهرجان، شريط النسيان فوق ذاكرتهم، ويصعدون مع حقائبهم إلى حافلة الحماس الكاذب، من أجل التوجه إلى البصرة لحضور مهرجان “شعري” يضع الشعر في ذيل أهدافه واهتماماته!!.

 

إن وفاة مهرجان المربد الأخير تفتح بوابة كبيرة لمراجعة ومناقشة مصير الشعر وطرق طرحه وتسويقه في ظل عالم تحكمه ثقافة الصورة وتطوقه شرايين التكنولوجيا الباهرة التي أنتجت مزاجاً سمعياً وبصرياً وقرائياً مختلفاً تماماً عن أمزجة الأزمنة الماضية.

 

في الختام هناك مسألة أخرى لا بد من الإشارة إليها، وهي أن المهرجانات “الجماهيرية” و”التحشيدية” – كمهرجان المربد ومهرجان الجواهري – لم تعد تتناسب مع ثقافة العصر ذات الطابع الإلكتروني الحر، بل إنها تتناسب مع كلاسيكيات الثقافات المركزية الشمولية ذات الطابع “التعبوي”، وهو أمر يجب أن ننتبه له لكي نواكب النبض الحقيقي للثقافات الجديدة بعد أن نفرغ طبعاً من دفن كل مومياءات الثقافة وفي مقدمتها مومياء المهرجانات الشعرية الجماهيرية!.

 

أقرأ أيضا