من الصداميه الى السيستانية (6)

في اللحظة الحزيرانية عام 2014 ، كأنما تذكر التاريخ قاطرة متوقفه في قلب الزمن صار…

في اللحظة الحزيرانية عام 2014 ، كأنما تذكر التاريخ قاطرة متوقفه في قلب الزمن صار من المقدر استئناف دوران عجلاتها، لكن العقود المحتدمة بالاختبارات والخيارات الكبيرة والاحداث لاتمردون ان تترك اثارها فوق سحنات الاشياء والناس والظواهر والاسس المكونة، فالمرجعية والقبلية اللتان توقف فعلهما منذ العشرينات بعد انفجار ردة فعلهما الكونية ضد الاحتلال الاجنبي الكولونيالي الانكليزي عام 1920، ظهرتا بعد عام 2003   تتمطيان على سرير التاريخ قبل ازاحتهما غطاء عقود من الغفو القلق، وتتهيئان للنهوض لابدافع الرغبة او عودة الوعي، بقدرما بدفع اليوميات التي اعادت للحضور القيادي الفاعل ضرورته، وان كان مايزال يتثاءب قبل ان يشرع بالحبو في وادي التاريخ المقفر من جديد.

 

كان المدى المفتوح امام هذه القوة التي هي من نفس طينة وعينة نبت التاريخ الطويل الموغل، وتشبهه بنية وتعبيرا ودورا بعد القرن السابع عشر والثامن عشر، قد تغير كليا، فلم تعد للعمل خلال السنوات الاولى من فترة مابعد انهيار الدولة، المحركات الموروثة التي حولتها منذ مابعد عودة التشكل الوطني الحديث في القرن السابع عشر الى مدينة “دولة لادولة” مرتكزه للتجديد الديني، ومتدامجة ومتطابقة بنية وتكوينا واليات مع محيطها التشاركي المساواتي، محتلة موقع السلطة العليا فيه من دون “احتكار وسائل القمع” شرط السيادة في الحكومات القاهرة، هذا غير انها وجدت نفسها اليوم موضوعه بازاء مهمة تفوق وتتعدى ميدان فعلها التقليدي المنقضي والمتوقف عمليا طيله قرابة عشرة عقود، فالافق الشامل والعام على مستوى الكيان العراقي برمته، صار اجباريا، وهو بكماله الجغرافي والمجتمعي وعلى اتساع مداه، صار الزاميا لتحقق فعالية وذاتية وضرورة هذا المركز القيادي الوطني الذي لم يكن قد اضطلع من قبل باكثر من مهمة جزئية تتعلق بارض السواد بمواجهة الاحتلال العثماني، فالتشكل الوطني العراقي بدا وتوسع ليشمل ارض السواد برمتها تقريبا تحت وقع الصراع مع السلطة العثمانية، وبالضد من جهودها الحثيثة والمستميتة الهادفة لاخضاع العالم الزراعي المساواتي، فكان الاندماج بين النجف كقيادة ودولة مدينة مع محيطها وبحرها الفلاحي المسلح والمنتفض بلا توقف، متأت من قوة فعل اليات بنيوية موضوعيه وتاريخية بقيت قبل الصدامية ثابته وفعالة.

 

لقد كبرت المهمة كثيرا واتسعت كما لم يكن متخيلا، وكان انهيار عمل الحداثيين المضاد لتلك القيادة المجبره اليوم على الانبعاث، قد ترك بانهيارة : اولا تخريبا بنيويا بالريع والحزب العقائدي “الصدامية”، وثانيا توسيعا اصبح معتادا وقارا كواقع سياسي وجغرافي ومجتمعي لايجوز ممارسة الدور القيادي الوطني بعد تكريسه المستمر من عام 1920 من دون الاجابة عليه والطموح للتناغم مع مقتضياته، وعلى وقع هذا كله، وجدت قيادة النجف نفسها تحت ضغط همين متضاربين ومتناقضين، نقص لابل غياب للاليات البنيوية بعد فعل الصدامية الريعي التحويري، واتساع في المهمات جغرافيا ومجتمعيا، الامر الذي سينعكس بصورة ارتباك ملحوظ وبطء وتلكؤ، تجلى تضاربا بين الاستجابه الوطنية التي انطوت عليها فتوى “الجهاد الكفائي” بعد سقوط الموصل، وبين ضعف وتراجع النفوذ المطرد للمرجعية على القوة المدعوة ب “الحشد الشعبي”، مع انها هي التي اوجدته لتغدو ايران بقوة قدراتها التسلحية والماليه والقتالية المليشياوية، ارجح حضورا وتاثيرا عليه، ماقد قلص الى ادنى حد من جهة اخرى حضور طرف ثالث هو من خلف المالكي على راس مشروع السلطة المحاصصاتيه بالاخص بظل غياب الجيش منذ انهياره وتشتته اثر دخول “داعش”” للموصل.

 

ولم تكن اعادة ترميم الوطنية العراقية من بين الموضوعات المطروحة على جدول اعمال المرجعية كقضية مدركة، فما كانت قد اضطرت للاقدام عليه من خطوات سواء في ضغطها على المركز السلطوي المتحاصص الفاسد ومن ثم مقاطعتها له، او في المجازفة باخذ زمام ادارة الاوضاع عبر “الحشد الشعبي” تحت وطاة ضغط “داعش”، كان بالاحرى من قبيل الانجذاب الغريزي غير المقنن، ولا المنظر له، وفي الاجمال غلبت العفوية وتراكمات الخبرة التقليدية في الوقت الذي لم تظهر فيه اية ملامح دالة على فعل لمركز سياسي او فكري قابل من خارج المرجعية على تحويل الخبرة الحداثية المنهارة الى هيكل مشروع او مايقاربه،، يمكن ان ينطوي على قدر من المقومات الاولية الصالحة للتعميق.

 

ولايمكن البحث عن ظاهرة كهذه الا باعتبار ماقد تبلور من حالات هي الاخرى عفوية ومابعد حداثية، اتسمت بالعملية، وامتازت مثلها مثل المرجعية بالافتقار الى مفهوم جاهز او صالح يؤسس لاعادة متطابقة مع الوضع لبناء الوطنية مابعد الدولة الحديثة الاكراهية، وفي مثل هذه الحالة عن على الفكر ميل يريد النظر الى الماضي الحداثي، والى النخبة العراقية الحديثة وتجليات دورها ومفاهيمها المغرقة بالايديلوجا، والمتطابقة مع اشتراطات الخارج، سواء بالتناغم مع شروط الاستعمار الكولونيالي عبر الدولة بعد 1921 او من خلال التيار الذي ناهضه مع الثلاثينات، استجابة لشروط دولية متغيرة، مالبثت ان اصبحت مع الستينات بمثابة نظام دولي تحكمه القطبية. والنمطان المتناغم منه مع الغرب الكولونيالي، كما مناهضه الايديلوجي، هما قوى ساعية لتدمير وسحق وتحوير بنية موقع لاتندرج خصوصياته تحت اشتراطات العصر الراسمالي الاوربي، ولا القطبي المتشكل من الاستعمار الجديد والاشتراكية البيروقراطية.

 

ومع ان الايديلوجي ينظر للعالم ايديلوجيا، فان المرء لايمكنه الا ان يستغرب لابل ويذهل من مستوى الادقاع الذي اتسمت به تجربة القوى الايديلوجية واحزابها. ومع كل الدوي الذي رافق او جاء بعد انهيار الصدامية، مازال هذا الوسط يحكي قصة عقم مادون وطنية، وهو اليوم متصاغر ومتدن بالمقارنة بما تتطلبه قضية اعادة بناء الوطنية العراقية من مهمات تشمل عالم الافكار والوعي، وليست هذه المعضلة بنت الساعة او نتاج الظرف الحالي الذي يتزايد فيه حضور المرجعية كقاعدة وركيزة لاستعادة قوام فعالية وطنية يفترض حسب الظرف ان تكون متعددة المصادر، فما يعيشه العراق الحالي يكرر مرة اخرى اشكالا تاريخيا، تجلى على طول تاريخ العراق ببقاء الوطنية بمستواها الحسي، أي بحدود الوعي “بالذات”لا الوعي ” للذات”. فتعذر على طول التاريخ هنا الانتقال الى الادراك، بينما ظلت الغريزة سيدة الموقف.

 

وحيث تذكر “الوطنية الحزبية” بجانب السيستانية الصاعدة فلكي لاينسى، او يستسهل الاعتقاد بان الوطنية العراقية قابلة في الوقت الحالي لاعادة الصياغة سواء في مجال العمل او التنظير، او كليهما، فالسيستانية تتقدم حاليا باتجاه حيازة موقع مؤثر قد يوحي برغبة، او طموح، او استجابة تفرضها المسؤولية قي لحظة فراغ تاريخي خطر، او لان الحياة تكره الفراغ، فعدا ذلك لايمكننا ابدا وضع اليد على عامل بنيوي، او قوة اليات بنيوية وتاريخية من شانها ان تضمن حفظ مستقبل واتجاه سير الظاهرة الناشئة، واذا كانت الظواهر التي يمكن عدها في خانة التراكم المطرد داخل ساحة السيستانية، متصلة وتترى ضمن زخم ملفت، الا انها بلا شك،، ماتزال لم تنظم او تنتظم كسمفونيا على يد مايسترو يؤالف بين نغماتها، ومع ان الفيرتونيا أي التفاعل الغامض بين القدر والحظ، لعبت هذه المرة وهي لاتتوقف عن اللعب لصالح السيستانية، الا ان هذه الاخيرة ظلت تتصرف احيانا بطريقة تجعل المتابع قليل الثقة بان الاشياء والاحداث موضوعة لدى المرجعية السيستانيىة داخل مطبخ العاجل والاستثنائي والغير قابل للتاجيل او الاهمال.

 

فقضية النفط فتحت افاقا هائلة كان لابد للمرجعية ان لاتتركها بلا معالجة ملائمة للحظة وللاحتياجات القيادية الوطنية، والتدني الخطيرفي اسعار البترول، والازمة التي يتوقع ان تنجم عنها، لم تستدع من السيد السيستاني استعانة بذوي الاختصاص، ولا سمعنا انه بادر لتشكيل “لجنة طواريء نفطية” محاطة باختصاصيين في الشؤون الاقتصادية، يكون همها اعادة النظر في المسارات الريعية، وصولا لجعل هذه القضية الاقتصادية الاستثنائية منطلقا لتعزيز خطاب وطني تعبوي يبشر بقلب الاقتصاد العراقي واعادة هيكلته، هذا مع العلم ان هذه المسالة التي اعطت ايام المالكي لقوى “العملية السياسية الطائفية المحاصصاتية” دفعا ساعدها على الاستقلال حتى بازاء مرجعية النجف، عادت لتتحول الى عنصر اضعاف لابل والى عامل مهدد لموقع العملية السياسية.

 

بالمقابل يلفت الانتباه الاداء المبادر والحكيم ابان تصاعد تظاهرات الاحتجاج المطالبة بالاصلاح في الصيف الماضي، فلقد بادرت المرجعية في الوقت المناسب لحماية التظاهرت، واسهمت في توجيهها، ومنحتها زخما وقوة ازاء القوى المضادة لها، وبالاخص التيار الموالي لايران، بحيث ادى الاصرار على ادماج زخم التظاهرات بالنشاط المرجعي الى خلق حالة فرز تمايز واضحة، تقف فيها المرجعية والمتظاهرون واجزاء هامة من الحشد الشعبي ضمن جبهة واسعة عراقية عامه، ويقف الطرف الميال لتبني السياسة الايرانية في خندق، بينما القوى المتناغمة مع السياسة الامريكية تتجمع في خندق ثالث.. هذا ومازالت المعسكرات والخنادق تنتظر احداثا وجولات قبل ان يصل التمايز بينها درجة ظاهرة للعيان، وملموسة في الداخل العراقي قبل ان تلاحظ في الخارج..

 

ـ يتبع ـ

أقرأ أيضا