رأي

التسويغ آفة الخراب الثقافي

التسويغ آفة الخراب الثقافي

جاسم بديوي

قد يختلط على المتابع التفريق بين المنهجية والتسويغ؛ الأول يتخذ سبيلا في مجال البحث العلمي سواء كان علما صرفا أم إنسانيا، والآخر يتخذه أرباب العقائد مطية لتأويل المآزق التي تمر بمنحنياتها مواقفهم الرثة.   لا أريد هنا المرور على الشواهد التاريخية التي ملأت كتب التاريخ بسبب الكم الهائل الذي نشهده من الحفلات التسويغية في الإعلام، وآخرها ما ذكره (السياسي) طه اللهيبي المعروف بترهاته وقصصه المثيرة للسخرية، وهي صفقة تجارة بين أطراف الحرب التي تدور رحاها هذه الأيام في تكريت. وتتلخص الصفقة، كما يدعي، بأن اتفاقا سيجري بين الدواعش و(إيران) كما جرى في آمرلي سابقا. ولا نحتاج إلى ذكاء كبير لنكتشف ان تصريحه هذا يجري في مجرى التسويغ الذي أشرنا له قبل قليل، وهو مثال لما بات يعرف في لغة الإعلام الآن بـ(خلط الأوراق) لأهداف عدة منها تسويغ الهزيمة أمام جمهوره، والنيل من الجهد والإجماع الوطني ضد داعش، فضلا عن التقليل من شأن صمود ونصر آمرلي الصخرة التي تحطمت عليها أسطورة داعش القتالية.   تصريح هذا المشؤوم إنما هو حركة (هروب الى الأمام) لاستباق ما سيجري في قابل الأيام من توقعات لاستعادة تكريت، حيث تشير الدلائل الواقعية ان داعش يلفظ أنفاسه الأخيرة هناك، وهنا يحتاج أولاء الى من يخفف الصدمة عنهم ويمتص خيبة الأمل منهم بعد أن علقوا، ومعهم بعض القوى السياسية السنية، على داعش آمالا كبيرة لإنهاء حالة استئثار الشيعة بالسلطة، كما أعلن صراحة من على منصات الاحتجاجات السنية، قبيل اجتياح داعش لمحافظة الموصل وأجزاء من تكريت والأنبار. والأهم من هذا كله هو (التسويغ) لمواقف هذه القوى المتورطة مع داعش وتبرئتها من ساحتها إزاء جمهورها الذي كان الخاسر الأكبر مما يحدث.   بهذه الذهنية لا نملك إلا التشاؤم من أولئك الساسة الذين لا يتمتعون بأدنى درجات المسؤولية والشجاعة والاعتراف بالخطأ والمراجعة، وهذا شأن العقل السياسي منذ بدايات انبثاقه في مستهل نشوء الدولة الإسلامية إلى يومنا هذا.   هذا العقل يمتلك من الصفات ما يؤهله إلى بقاء مجتمعه السياسي في ذيل قائمة المجتمعات اليوم، فهو عقل منغلق، ومتعال، ومنافق، وتلك أهم الركائز التي تستند عليها آلية التسويغ المعتمدة على الشحن العاطفي والآمال الكاذبة والأوهام لا الحقائق.   الضحية هم من يصفهم (اللهيبي) بالبسطاء من الجمهور السني الذي ابتلي بعدة أصناف من القادة منهم: النفعيون، والتجار، والبلداء، والمتحجرون، وهؤلاء أسوأ ما يمكن لمجتمع سياسي ان يواجههم، كونهم لا ينطلقون من رؤية استراتيجية ولا أهداف واضحة، وعندهم القدرة للانتقال من موقف ما الى نقيضه بشكل غريب، فمن وحدويين الى انفصاليين، ومن حكوميين الى دواعش، ومن قوميين علمانيين الى إسلاميين، والعكس بالعكس.  

مقالات أخرى للكاتب