رأي

روسيا وشمال أوروبا استفزاز وتهدئة

روسيا وشمال أوروبا استفزاز وتهدئة

جمال الخرسان

نتيجة لتداعيات الازمة الاوكرانية التهبت منطقة شمال اوروبا وخصوصا بحر البلطيق. دبّت فيها حمّى التصعيد والمواقف الاستفزازية المتبادلة بين مختلف الاطراف. مناورات عسكرية على قدم وساق ورسائل سياسية بمختلف الاتجاهات. آخر تلك الحلقات في هذا المسلسل الطويل مناورات جوية تجري بين امريكا، والسويد، وفنلندا في خليج بوتانيا الواقع اقصى شمال البلطيق. الخطوة سبقتها طوال العام الماضي سلسلة من المناورات سواء تلك التي تجريها بعض بلدان المنطقة بالتعاون مع الناتو او تلك التي تجريها روسيا.   لكن الملفت ان هذا التشنج الواضح والخطوات التصعيدية المتبادلة لم تمنع بذات الوقت من اتخاذ خطوات من شأنها ان تخفف من وطأة التصعيد، وخصوصا فيما يتعلق بتطبيق اتفاقية "السماء المفتوحة" التي أبرمت في هلسنكي عام 1992 بحضور سبع وعشرين دولة من كبريات الدول، ودخلت حيز التنفيذ في كانون الثاني عام 2002، وكانت تهدف بالدرجة الاولى الى توفير التطمينات اللازمة وما تتطلبه الشفافية لكل عضو من اعضاء تلك الاتفاقية بما في ذلك امريكا، وروسيا، والعديد من بلدان منطقة شمال اوروبا.   وفي الوقت الذي تجرى مناورات خليج بوتانيا الجوية حاليا، فان كلا من السويد وفنلندا تنفذان جولة جوية مشتركة فوق الأراضي الروسية تمتد على مساحة 5500 كيلومتر، وسيلتقط فريق الجولة المشترك الصور لمختلف المواقع في روسيا وفقا لما تسمح به الاتفاقية.   ان اتفاقية السماء المفتوحة وفرّت مئات الطلعات الجوية الاستطلاعية، فوق العديد من بلدان المجموعة، بما فيها روسيا، والولايات المتحدة الامريكية، ومعظم بلدان اوروبا. ورغم المنافسة الشرسة على المستوى العسكري بين كبار هذا العالم فان البعد الدبلوماسي والمصالح المتبادلة دفعتهم الى التوقيع على هذه الاتفاقية. ربما تكون تلك الاتفاقية ذات بعد أمني استراتيجي مجدٍ ومثمر جدا، وربما يكون لها إطار شكلي وجدوى محدودة، لكن في المحصلة النهائية فإن الخطوة بحد ذاتها تمثل الحد الأدنى من السلوك الدبلوماسي الداعي للتهدئة. ان الخطوات التصعيدية وحدها ليست نهاية المطاف وهذا ما يعرفه الجانبان بشكل جيد، ومن هنا يحرصان على تجريب مختلف الاساليب الدبلوماسية والاقتصادية من اجل تضييق دائرة الازمة.  

مقالات أخرى للكاتب