رأي

كارثة مدرسة (الزهاوي): العنف البدني ضد الأطفال في المدارس

كارثة مدرسة (الزهاوي): العنف البدني ضد الأطفال في المدارس

علاء اللامي

الممارسة العنيفة والمخزية لمدير مدرسة "الزهاوي" الابتدائية في قضاء الكحلاء التي انتشرت أخيرا على مواقع التواصل (المدير يضرب طابورا من التلاميذ والتلميذات صغار السن بيده وبالعصا ضربا مبرحا، وبصراحة، لم أحتمل مشاهدة أكثر من بضع ثوانٍ من الفيديو، ولا أستطيع إعادة نشره هنا لقسوته وفظاعته)، هذه الممارسة، جديرة بالتوقف عندها، ولذلك، سأكتب هذا المنشور أولا كتلميذ مدرسة ابتدائية لم يفلت كالكثيرين من العقاب البدني، وثانيا، كمدرس ومدير مدرسة لاحقا، لا يريد أن ينـزه نفسه كما جرت عادة من ينتقدون هذه الممارسة المدانة:   معلوم أن ضرب التلاميذ في المدارس ليس تقليداً عراقياً بحتاً، ولا هو اختراع جديد لمدير مدرسة الزهاوي، بل هي ممارسة مرفوضة وجدت في جميع أنحاء العالم القديم والمعاصر، ولكنها انتهت وتلاشت بقوة القانون والتثقيف في عدد كبير من الدول، ولا تزال باقية في عدد آخر منها، بل أن هناك دعاة لإعادة العمل بالعقوبات البدنية بعد إلغائها في مدارس دولة كالولايات المتحدة الأميركية كما نشر مؤخرا في وسائل الإعلام. وأشهد، من خلال تجربتي التدريسية في جمهورية الجزائر في الثمانينات من القرن الماضي، أنني لم أشهد أية عملية عقاب بدني من قبل المدرسين أو الإدارة ضد التلاميذ أو الطلاب، علما بأنني كنت أدرس في مدرسة تكميلية "متوسطة" مختلطة للبنين والبنات في ريف إحدى الولايات الجزائرية البعيدة جدا عن المركز.   أكتب كتلميذ في الصف الأول الابتدائي، عوقبت عدة مرات انتهت إحداها بفصلي من المدرسة لمدة سنة دراسية كاملة، واليكم التفاصيل التي تبدو لي وكأنها حدثت بالأمس القريب مع أنني الآن في العقد السادس من عمري ولهذا دلالاته النفسية بخصوص العقاب البدني للأطفال الذي يرسخ في الذاكرة رسوخا عجيبا: كنت تلميذا في مدرسة "الزعيم عبد الكريم" الابتدائية التي أقيمت في سنوات الثورة الجمهورية 14 تموز 1958 في قريتي البدعة/ لواء الناصرية، محافظة ذي قار الآن، وكانت مدرستي في بدايتها من القصب والبواري أي صرائف، (تحول اسمها إلى "مدرسة 14 رمضان" وهو يوم الانقلاب العسكري 8 شباط 1963 المشؤوم الذي انتهى بإعدام الزعيم عبد الكريم قاسم وعدد من رفاقه والمئات من اليساريين العراقيين)، وكان مدير مدرستنا شخصاً طريفاً وعصبياً، ذا صلعة براقة وكرش أنيق! وقد خدعني أترابي وتحدوني أن أصرخ - كلما رأيته - بعبارة "أبو ليطة" وهي عبارة تطلق في العادة للسخرية من الصلعان. وكلمة ليطة تعني شريحة من القصب الأملس، ففعلت، وفعل آخرون مثلي، ولكنني كررت فعلتي عدة مرات بشيء من الاستمتاع والتحدي الساذجين، وحين علم مديرنا بمعنى العبارة قرر معاقبة الفاعلين، وكنت أحدهم، بالضرب على الراحتين بالمشمشة (غصن من شجرة المشمش كثيرة البراعم والتضاريس)، إضافة الى استدعاء أولياء أمورنا. كان عقابي شديداً، تورمت كفاي بسببه وكان هذا كافيا لتتحول المقابلة بين والدي رحمه الله والمدير الى شجار كاد ينقلب إلى عراك بالأيدي، ما دفع هذا الأخير إلى فصلي من المدرسة لتلك السنة على أن أعود في السنة التالية. فكيف كان الأمر معي كمدرس، ومن ثم كمدرس ومدير في المدارس الجزائرية والليبية، وأخيرا في تجربة تدريس اللغة العربية في المدارس السويسرية منذ عامين؟ وما الخلاصات التي خرجت بها من هذه التجربة؟   تحدثت كمدرس عن فترة عملي في الجزائر لستة أعوام في أكثر من مناسبة، أما كمدرس ومدير لإحدى المدارس الليبية، لضعف تلك الفترة تقريبا، فلا أستطيع أن أبرئ نفسي من التعامل العنيف مع تلامذتي أحيانا، وخصوصاً مع الذكور وكبار السن في المرحلة الثانوية منهم، خصوصاً في حالات حدوث مشاكل واعتداءات متبادلة بين التلاميذ الذكور أنفسهم أو على زميلاتهم التلميذات، وكان العقاب يتم أحيانا بتشجيع أقرب إلى الطلب والأمر من أولياء الأمور أنفسهم، على طريقة القول السائد عندنا في الجنوب الذي يقوله الآباء لمعلمي أبنائهم (لك اللحم ولنا العظام)، ولكنها كانت حالات نادرة قررت بعدها تحويل المشاكل من هذا النوع إلى لجنة أولياء الأمور أنفسهم.   أما مع تلاميذ المدارس السويسرية التي بدأنا فيها تدريس اللغة العربية منذ سنتين للعشرات من أطفال الأسر العربية والمختلطة "عربية / سويسرية"، كمادة رسمية تدخل نتائجها في الدفتر المدرسي الرسمي، فالأمر مختلف تماما: هنا لا يكتفون بمنع العنف البدني ضد التلاميذ، بل أيضا العنف اللفظي حتى الخفيف منه. على سبيل المثال هناك عبارات في اللغة الفرنسية قد تبدو ترجمتها بسيطة ولا تشتمل على إساءة في مجتمعاتنا، ولكنها ممنوعة منعا باتا وتعتبر شتيمة من الوزن الثقيل من قبيل عبارة "تا كول (TA GUEULE)" التي تعني في ما تعني (أغلق فمك / أسكت)! وكلمة (GUEULE) لها معنى عام هو الفم، ومعنى خاص محدود، كما يقول القاموس، هو "فم الحيوان / البوز". ومن طريف ما أتذكر هنا، أن زوجة أحد أصدقائي العراقية المقيمة في باريس منذ أكثر من ربع قرن، وحتى اليوم، كانت تصرخ بأطفالها حين كانوا صغارا عندما يزعجونها (انجب ولك، تاكول ابن التاكول!) مازجة بهذا بين الفرنسية واللهجة العراقية في صرخة طريفة واحدة!   قد يتساءل البعض: لكن، ألا توجد عقوبات للتلاميذ المشاغبين في المدارس السويسرية؟ نعم توجد، وأقصى عقوبة يمكن للمعلم أو المدرس اتخاذها مباشرة بحق التلميذ المشاغب هي إجلاسه في الصف الأخير من مقاعد قاعة التدريس، منفردا إن أمكن، أو حرمانه من اللعب مع زملائه خلال الاستراحة وإبقاؤه برفقة المعلم أو المدرس، وأحيانا يعاقب التلميذ المسيء بالإخراج المؤقت من المدرسة ليوم أو أكثر، أو بالقيام بعدة ساعات من العمل التطوعي كتنظيف الحدائق والشوارع وما شابه ذلك، والعقوبة الأخيرة تأخذ بها المحاكم السويسرية وتحكم بها على الأحداث والفتية حين يرتكبون جنحة أو مخالفة ما. وفي حال تمادي التلميذ في سلوكه الخاطئ يستدعى ولي أمره لمناقشة سلوك ابنه مرة ومرتين، فإن لم تفد هذه الإجراءات، يطرح المدرسُ المشكلة على إدارة المدرسة لمناقشتها واتخاذ الإجراء اللازم من قبلها بحق التلميذ.   خلاصة القول: أعتقد أن الإدانات المباشرة للفاعل، ومثاله هنا مدير مدرسة الزهاوي في الجنوب العراقي، يحتوي ضمنا على تبرئة مجانية للذات الفردية والجمعية أولا، وهي إدانات لا قيمة لها عمليا وعلاجيا إنْ توقفت عند حدود إدانة الآخر وتبرئة الذات رغم ضرورة ولزوم تلك الإدانة، ما لم تتحول إلى فعل إصلاحي عميق ينتهي بتجريم ممارسة العنف اللفظي والبدني ضد الأطفال في المدارس وخارجها، وضد النساء والضعفاء والعاجزين عن الدفاع عن أنفسهم بشكل عام، وقوننة هذا التجريم بنصوص تشريعية وقضائية غير قابلة للتأويل، كما فعلت شعوب ودول أخرى كثيرة قبلنا.   أختم بمخاطبة مدير مدرسة الزهاوي فأقول له: لا يشرفني البتة أن أعتبر نفسي زميلا لك ولأمثالك!   علاء اللامي: كاتب ومدرس عراقي  

مقالات أخرى للكاتب