رأي

قومية (زنكه زنكه)

قومية (زنكه زنكه)

جمال الخرسان

في النصف الثاني من القرن العشرين وحينما كانت الحركة القومية العربية سياسيا وثقافيا وفنيا في أوجها، وحينما كان الهم والصوت القومي يعلو فوق صوت الجميع... لم يكن المواطن، وربما حتى المتابع، العربي يعرف هذا الكم الهائل من المدن والأحياء والازقة في مختلف البلدان العربية. ذلك الانتشار الكبير للجغرافيا العربية إعلاميا لم يكن نتيجة ارتباطها بتنظيم مهرجانات فنية او رياضية عالمية، كما يحصل عادة في الشهرة التي تكتسبها بعض المدن او المقاطعات لهذه الدولة او تلك، ولا نتيجة لما تحتضنه من فعاليات ذات طابع انساني هادف، بل جاء ذلك الانتشار بفضل الفوضى التي اجتاحت الوطن العربي لأسباب مختلفة، تلك الفوضى جعلتنا جميعا نعرف مئات الأسماء والمسمّيات عن أغلب البلدان العربية، بل هضمنا حتى بعض المفردات المحسوبة على اللغة الشعبية او المحكية من قبل عامة الناس هناك.   نعم كانت "الجولان" في الخمسينات والستينات من القرن الماضي معروفة لكثير من العرب، كذلك حال "بيت لحم"، او مخيمات "صبرا وشاتيلا"، و"تطوان"، و"سيناء"، و"السويس" وبعض المدن الاخرى التي لا تزيد عن اصابع اليد الواحدة عدا العواصم العربية بالطبع. لكن العربي آنذاك لم يكن يعرف، مدنا على غرار: "الفلوجة، وتعز، وكوباني، والرقة، وصيدا، ودرنه، والضلوعية، وآمرلي، ومصراته، وعمران، والقصير، وبيجي، والزبداني، وسنجار". أكثر من ذلك فالعربي وغيره أصبح يعرف أحياء عربية تجاوزت شهرتها المدن العالمية كما هو الحال مع "حصن العزيزية، وحي بابا عمرو، وميدان التحرير، ورابعة العدوية، والخالدية، ومخيم عين الحلوة، وباب الحديد". وللقرى والقصبات والأرياف العربية حصة أخرى في ذاكرة المواطن العربي، "نبل والزهراء، وبشير، وجبل الزاوية" وغيرها من المسميات الجغرافية الصغيرة والكبيرة في هذا البلد العربي او ذاك!   ليست المدن العربية الكبرى او الصغرى أصبحت تتداول على لسان المواطن العربي، بل حتى بعض المفردات الشعبية الأخرى، من ينسى مثلا "زنكه زنكه" او "اهرب.. اهرب" وما شابه ذلك.   لقد خلّقت هذه الفوضى الأمنية والتركيز الاعلامي المبالغ فيه حول ما يجري في الجسم العربي ثقافة قومية من نوع مختلف. أصبح العربي يعرف كل شيء عن البلدان العربية الأخرى بما في ذلك بلاد مثل تونس التي كانت بعيدة تماما عن الأضواء، وعن اصرار وقصد أصبحت اليوم كتابا مكشوفا يعرف العربي زقاقا زقاقا فيها، وهكذا البلاد الأخرى. إنها قومية زنكه.. زنكه.  

مقالات أخرى للكاتب