رأي

(بوكا) ماكنة التفقيس

(بوكا) ماكنة التفقيس

جمال الخرسان

يقع ضمن حدود قضاء أم قصر ويمتد لمساحات واسعة في الصحراء، إنه معتقل "بوكا" أشهر المعتقلات الـمريكية في العراق والشرق الأوسط الذي تأسس عام 2003، في محافظة البصرة. ورغم أن تلك المنطقة كانت تحت سيطرة القوات البريطانية، فإن السجن تحت سيطرة الجانب الأمريكي.   يرجع بعضهم سبب التسمية إلى تخليد رجل الأطفال الأمريكي "بوكا" الذي قتل وهو يسارع لإنقاذ الضحايا في أحداث 11 أيلول الشهيرة حيث سقطت عليه كتلة نارية من أحد الأبراج وفارق الحياة. ضم المعتقل آلاف المحتجزين من مرتكبي مختلف الجرائم الإرهابية والجنائية ومنهم متهمون ربما سيقوا إلى هناك بمحض الصدفة.   معتقل بوكا وبعد ست سنوات على افتتاحه أغلقه الأمريكيون في كانون الأول من عام 2009. نعم انتهت حقبة سجن بوكا ولكننا حتى هذه اللحظة ما زلنا نعيش تداعيات مرة لهذا المعتقل وكأنه أقيم ليكون مفقسا لتفريخ الإرهابيين. عشرات السيارات المفخخة فجرت بأيدي بعض المعتقلين في ذلك المعتقل، خلايا إرهابية عديدة التحمت وتماسكت هناك. انتحاريون خرجوا من المعتقل لينفذوا مختلف الجرائم الإرهابية، أما المفاجأة الأكبر فهي ما أعلنه الأمريكيون أن أبو بكر البغدادي كان أحد معتقلي بوكا وخرج بقدرة قادر من هناك!   لقد كانت المعتقلات الأمريكية والعراقية ماكنات لتفقيس الإرهابيين أيضا. الغريب أن سجن بوكا وعلى الرغم من كونه كان خاضعا للسيطرة الأمريكية فإن الإجراءات الأمنية والإدارية فيه مختلفة إلى حد كبير عن معتقل "غوانتانامو" الجزيرة الكوبية التي خصصت للمتهمين بالإرهاب. الإجراءات أكثر صرامة ومعظم المعتقلين يقبعون في زنازين انفرادية ويتم التحقيق معهم بشكل مكثف، أما بوكا فلم يكن كذلك كان أشبه بمقاطعات معزولة للإرهابيين الخطرين جدا. لقد نظموا أنفسهم داخل السجن بطريقة أكثر صلابة. أعطوا الوقت الكافي دون مبرر، وفسح لهم المجال بشكل غريب لكي يتواصلوا فيما بينهم. لم يفوتوا تلك الفرصة الثمينة التي وفرها لهم بوكا، وشكّلوا هناك تنظيما قويا كان يجاهر بما يعتقد. الملفت أن بعض معتقلي جيش المهدي كانوا هناك أيضا وكانوا يتعرضون لاعتداءات مخيفة من تلك المجموعات ولم يغثهم أحد إلا حينما أصبحوا مجموعة ليست قليلة في بوكا!   لما تقدم وغيره على الجهات المعنية في الدولة العراقية مراجعة وتدقيق ملفات جميع المعتقلين ممن أطلق سراحهم أو ممن ما زالوا قيد الاعتقال في معتقلات أخرى لكي لا تختلط الأوراق من جديد ونشاهد مزيدا من الدماء العراقية تسيل هدرا على أيدي من كانوا في معتقل بوكا.  

مقالات أخرى للكاتب