رأي

هل فشل الخطاب الشيعي في عاشوراء؟

هل فشل الخطاب الشيعي في عاشوراء؟

منتظر ناصر

يدافع كثير من أبناء الطائفة الشيعية في مثل هذه الأيام (ذكرى عاشوراء)، عن إصرارهم على ممارسة طقوسهم الخاصة بالمناسبة، بالقول إن الإمام الحسين "ع" ليس حكرا عليهم أو على عموم المسلمين، بل هو رمز للانسانية والثورة.   وعلى الرغم من أن هذه المقولة التي تكررت كثيرا على ألسنة الخطباء ورجال الدين وجمهور المواكب الحسينية، صحيحة في مجملها، وهي تمتلك ربما مقومات التحقق، إلا أنهم لم يتمكنوا من وضع مصداق لها على أرض الواقع، فالشيعة لم ينجحوا حتى اللحظة في رفع القضية الحسينية من مستواها التاريخي/ المذهبي الى المستوى الانساني والعالمي بوصفها رمزا تعتمده كل البشرية وتتعاطف معه.   برأيي إن الأمر يعود الى ثلاثة أسباب رئيسة:   الأول: بدلا من التأصيل لثورة الامام الحسين عبر مسارات عملية ناجعة من شأنها أن تنعكس بشكل عملي على الحياة اليومية، بوصف الثورة الحسينية، ثورة حقيقية ضد الظلم والفساد، تحيا في كل زمان ومكان، وتنتصر للفقراء والمهمشين، أو ما يصطلح عليهم قرآنيا بـ"المستضعفين"، نرى الأمر على العكس من ذلك تماما، إذ أن ما يحدث حقا هو تحويل الحسين الى غطاء للمفسدين والسراق والعابثين بأمن المجتمع والدولة ومقدراتها.   وما عليك إلا أن تلقي نظرة خاطفة على منازل ومقرات المتجاوزين على أراضي الدولة وممتلكاتها في بغداد وغيرها، حيث تجدهم من أكثر المتمسكين بممارسة هذه الطقوس (المحترمة على أية حال)، من خلال تعليق الرايات والأعلام الخاصة بالمناسبة، ورفع مكبرات الصوت التي تنشد للمناسبة بطريقة فجة وغير لائقة، وسط صمت الأهالي خوفا من ردود أفعال تضعهم في خانة منتهكي المقدس.   وخذ مثالا على ذلك أيضا، ما يفعله عدد من السياسيين الفاسدين الذين يلبسون السواد ويمشون مع زوار كربلاء، ويضعون أياديهم في أواني الطبخ الخاص بالمناسبة، ليجعلوا من قضية كربلاء وشهادة الحسين غطاءً لكل أفعالهم الأخرى، والأمر ذاته ينطبق على غير السياسيين ايضا، من أمثال التجار الفاسدين الذين يغشّون زبائنهم طوال أيام السنة، الا أنهم يتفانون في البذخ خلال الـ10 أيام الأولى من محرم الحرام.   ثانيا: الفشل في عقلنة الطقوس وتهذيب الشعائر، أسهم ويسهم بطرد الغير، وتحويله الى مناوئ، بسبب عدد من العادات والممارسات المخالفة للسلوك البشري السويّ، والتي لا تحظى بأي سند أو نص ديني وشرعي كضرب الرؤوس بالسيوف أو الأجساد بالسكاكين، وغيرها. ما يجعل أي متابع يزدريها ويصاب بالنفور منها، ويعيق أي محاولة لجعلها وسيلة للتعريف بالقضية الحسينية، وتحويلها الى رمز ومثال حقيقي لكل الثوار، وبالتالي الفشل في إيصال الصوت ووجهة النظر وإبداء الرأي.   ثالثا: لم يتمكن الشيعة من إذابة العقد التاريخية المتمثلة بالتهميش والإقصاء الذي عانوا منه طوال قرون وعقود، والانفتاح على الجماعات الأخرى، بشكل لا يظهرهم كمجموعة بشرية مغلقة تمارس طقوسها بخصوصية غير قابلة للاختراق، وكأن الأمر محاولة لإدامة التواصل السري بين أفراد الطائفة الضعيفة المقصية على مر العصور، بهدف استمرارها وديمومتها في ظل تحديات البقاء وخطر الإبادة، ما أخرج الأمر من إطاره التعبدي/ الديني الذي حبّذه أئمة أهل البيت "ع" الى إطار آخر، يتمثل بإثبات الهوية المذهبية والطائفية الخالية من أي مشروع سياسي واضح.   وما جرى في الأعوام والعقود الماضية من محاولات إشراك أشخاص من غير الشيعة في تلك الطقوس السنوية، لم تتخط كونها محاولات فردية أو جزئية عفوية وسطحية تدخل في إطار المجاملات الاجتماعية، وسط تقاطع فكري عميق.   إذن هناك حاجة متجددة لخلق خطاب "شيعي/ عاشورائي" جديد يراعي العصر ويتخلص من عوالق الماضي.          

مقالات أخرى للكاتب