رأي

كاظم حبيب.. شبَّ على شيء و شابَ عليه!

كاظم حبيب.. شبَّ على شيء و شابَ عليه!

علاء اللامي

قد لا ينطبق هذا المثل السائر -والقابل للنقاش علميا- والقائل ( من شبَّ على شيء شاب عليه) على شخص كما ينطبق على كاظم حبيب، الكاتب الانتهازي بل والعريق في الانتهازية، منذ أيام تنظيراته المؤسسة والمؤيدة للتحالف مع نظام البعث في الجبهة الوطنية في السبعينات من القرن الماضي، والذي يحب أن يصف نفسه ويصفه حاشيته بالبروفسور والمفكر اليساري والتقدمي والاقتصادي الضليع، فهذا الرجل شبَّ على الملق وانتهاز الفرص والتقلب بين المواقف الفكرية والسياسية مع ثبات ملحوظ في موقع خدمي واحد هو الدفاع عن زعامة الحزبين القوميين الاقطاعيين في إقليم كردستان/ العراق لدرجة انه أصبح عراباً لمجموعة من الكتاب والإعلاميين العراقيين شكلوا منظمة دعائية رسمية للدفاع عن تلك الزعامات وعقدوا مؤتمرها التأسيسي في أربيل تحت اسم مخادع هو "التجمع العربي لنصرة القضية الكردية" وهو في الحقيقة ليس إلا تجمع للدفاع عن حكم العائلتين الحاكمتين (البارزانية والطالبانية) في الإقليم وليس للدفاع عن الشعب الكردي الذي تنهب هاتان العائلتان ثرواته النفطية وغير النفطية ولا تعلن عن أموال عائداتها حتى لشركائها في الحكم ولا ينبس هذا التجمع بكلمة حول هذا الموضوع!

كاظم حبيب هذا اتخذ منذ أسابيع قليلة من واحدة من صحف الإسلام السياسي الشيعي بعد أن ساءت سمعتها كثيرا بسبب طائفية وقمعية مالكها ورئيس تحرير هي "العالم" وتنكرها لاستقلاليتها التي بدأت بها، التي هجرها أغلب كوادرها ومحرريها الشجعان وأسسوا صحيفة بديلة ومستقلة أخرى هي "العالم الجديد" بعد أن فضحوا صاحب هذه الجريدة وكشفوا ممارساته الممجوجة تلك، اتخذ – حبيب - منها منبرا له ونشر فيها سلسلة من المقالات يلاحق عبرها الحركة الاحتجاجية المتصاعدة في العراق. هذه وقفة سريعة للرد على أبرز أكاذيب وتلفيقات كاظم حبيب الجديدة "القديمة".

تعليقا على مشاركة التيار الصدري في تظاهرات ساحة التحرير في بغداد في الجمعة الرابعة 28 آب كتب حبيب (بأن الصدريين قد أدركوا بحس جديد وسليم بأن المظاهرات الشعبية الشبابية قد لعبت دوراً مهماً في تحريك المرجعية الدينية الشيعية باتجاه تأييد مطالب الشعب الأساسية...) يقفز حبيب قفزة "كنغرية" على عدة حقائق هنا سجلتها حتى مجموعات تشارك في قيادة التظاهرات من الديموقراطيين واليساريين ومنها أن التيار الصدري جزء أساسي من نظام حكم المحاصصة الطائفية والعرقية ولديه 40 نائبا في البرلمان وأربع وزارات خدمية فاشلة ونائب رئيس وزراء متهم بالفساد هو بهاء الأعرجي، وإنه يحاول ركوب موجة التظاهرات بدلا من ان يبادر الى " إصلاح حصته" من نظام الحكم ومحاسبتها أو مراجعة أدائها. والحقيقة الثانية هي أن التيار الصدري لا يؤمن بما يكرره حبيب هنا من (إن المرجعية الدينية النجفية تحركت باتجاه تأييد المطالب الشعبية) وهو قول سليم كرره حبيب ولكن على طريقته العقيمة في تسويق المفاهيم لأغراض التملق السياسي بل يقولون بعكسه تماما ويزعمون أن المرجعية هي التي أطلقت الحركة الشعبية الاحتجاجية وهم يشاركون في التظاهرات من منطلق طاعة المرجعية وتأييدها رغم خلافاتهم القديمة معها. وسنتوقف في موضع آخر عند تملق حبيب للمرجعية الدينية النجفية نفسها في مقالة أخرى له.

في جرده للقوى المعادية لتظاهرات الصدريين والمظاهرات الاحتجاجية بعامة، يكتب كاظم حبيب ( إلا إن هذه المظاهرات تواجه اليوم حملة ظالمة من أتباع المالكي وأتباع أسامة النجيفي ومن أياد علاوي شخصياً، أي من تلك الجماعات والشخصيات الطائفية المتشددة، سواء أكانت شيعية أم سنية، المتضررة من عملية الإصلاح والتغيير التي تسعى إلى إحباط العملية الإصلاحية التي بدأ بها السيد العبادي). ثمة هنا عدة قفزات كنغرية (نسبة الى حيوان الكنغر) وترهات نلخصها في التالي:

قفز حبيب أولا على طرف مهم يعادي الحركة الاحتجاجية علنا وبعمق وبدراية دبلوماسية محسوبة هي زعامات الحركة القومية الكردية وخصوصا قيادتي آل بارزاني وآل طالباني، وموقفها المعلن المعادي لأي تغيير أو إطاحة بنظام حكم المحاصصة الطائفية ودولة المكونات أو حل لمجلس النواب أو إلغاء أو تعديل حقيقي للدستور الاحتلالي الذي دفعت تلك القيادات رشا بملايين الدولارات للخبير الأميركي بيتر غالبريث كي يتدخل ويدس بعض المواد الخطيرة فيه ( كتبت عن هذا الموضوع أكثر من مرة في الصحافة العراقية والعربية و بشكل موثق قبل وبعد فضيحة محاكمة غالبريث وشركاه في بريطانيا). إن وموقف الزعامات الكردية هذا معلن وصريح، وهو لا يقل عداء للحركة الاحتجاجية من المالكيين والعلاويين والنُجيفيين، بل إن علاوي - والحق يقال ورغم عمالته لأكثر من 16 عشر جهاز تجسس دولي باعترافه هو- كان معاديا للمحاصصة الطائفية لفظيا، طوال فترة مشاركته في اللعبة السياسية بعد الاحتلال، ولكنه وكانتهازي لا يقل عراقة عن كاظم حبيب ارتضى أن يسبح في مستنقعات الحكم طولا وعرضا سطحا وقاعا. والسؤال هو: لماذا سكت ويسكت كاظم حبيب وزملاؤه في تجمع "المناصرة" سكوتا مطبقا هنا على مواقف قيادتي البارزاني والطالباني وتحذيراتهما بالانفصال إذا تم المساس بالدستور الاحتلالي واللعبة السياسية الطائفية عموما؟ و أسجل مبكرا، أن حبيب سكت في مقالة أخرى سكوتا جزئيا وماكرا عن تلك القيادات حين عدد الأطراف المعادية للحركة الاحتجاجية الشعبية ضد النظام الفاسد في مناسبة "مقالة" أخرى سنتطرق لها لاحقا.

القفزة الثانية هي تلك التي يقوم بها حبيب على سقف الخلاف الثأري القديم بين الصدريين والمالكيين والذي تعود بداياته الى الحملة العسكرية التي قادها المالكي ضد الصدريين والمجموعات المسلحة الأخرى تحت مسمى "صولة الفرسان"، بعد أن هدده أهالي البصرة علنا عبر فعالياتهم الشعبية بأنهم سيهجرون المدينة جماعيا ما لم يتدخل لإنقاذهم من سطوة وعبث المليشيات الشيعية والجماعات التي سميت آنذاك بالخارجة على القانون. ومن حق أهالي البصرة أن يتهموا كاظم حبيب أنه ينحاز وبطريقة مباشرة للجماعات المسلحة ضدهم ويقف مع الجماعات المسلحة التي ضربها المالكي باسم الدولة العراقية وقبل أن يفقد السلطة تماما بسبب ضياع البصرة. كان ينبغي لكاظم حبيب على الأقل، وككاتب يسمي نفسه يساريا وماركسيا، أو حتى كمراقب مستقل، ألا يتخندق مع هذا الطرف المسلح ضد ذاك، ويكتفي برصد وتحليل الحالة الصراعية، إذا جبن عن فضح الطرفين، وكان كلاهما في خندق النظام المحاصصاتي الحاكم. و أسجل هنا – لإنعاش ذاكرة البروفيسور حبيب – ما يلي : حين كان الصدريون يستأهلون التحية والاحترام خلال قيادتهم لانتفاضتين مسلحتين باسلتين ضد قوات الاحتلال في سنواته الأولى، كان كاظم حبيب وأمثاله من انتهازيين في "مجلس إعادة الإعمار والتنمية" الذي أسسه الحاكم الأميركي الأول للعراق الجنرال جاي غارنر يمارسون "نضالهم الشرس" بالجملة والمفرد في الدفاع عن الاحتلال ويطلقون عليه "التحرير والتغيير المبارك في العراق الجديد" الذي جاء الاحتلال فيما كان الكتاب اليساريون الوطنيون يتضامنون ويؤيدون الصدريين في وقفتهم البطولية والمشرفة تلك ضد الاحتلال الأميركي الهمجي، أما كاظم حبيب فقد كان ينظر إليهم آنذاك كمليشيا مهوسة بالقتل وأسوأ من تنظيم القاعدة لنقرأ ما كتبه آنذاك (وتقف وراء القتلة تنظيمات إسلامية سياسية طائفية متطرفة كثيرة وقوى بعثية صدامية، ومن بينها وأكثرها خطراً مماثلاً لخطر القاعدة هو ميليشيات جيش المهدي، المسلحة تسليحاً عالياً والمدربة تدريباً جيداً والمهووسة بالقتل إلى حين ظهور المهدي, فهم جيشه في الأرض وهم الذين يعاقبون الناس, أنهم الخصم والحكم في آن/ من مقالة بعنوان ماذا وراء عودة مقتدى الصدر إلى العراق؟28/05/2007). نرجو ألا يتهمنا بعض الحمقى بالوشاية والتسبب بالأذى للبروفيسور كاظم حبيب لأن هذا الكلام لم يرد في رسالة شخصية أو أنه قاله كاظم حبيب همسا لسيده بول بريمر بل في ورد مقالة نشرها هو في العديد من وسائل الإعلام والمواقع على النت آنذاك، ويكفي أن يوضع عنوانها في محرك البحث غوغل لتظهر تلك المصادر للقارئ. الخلاصة هي أن مواقف كاظم حبيب من الصدريين يتطابق تماما، وإنْ بشكل غير معلن، مع مواقف السفير الأميركي فهو ضدهم إن كانوا يقاتلون ضد جيش الاحتلال وهو معهم حين تضطر الدولة الى الوقوف ضد تعدياتهم وقمعهم الديني للمدنيين في البصرة وغيرها وهو معهم حين يحاولون سرقة الهبة الجماهيرية الراهنة وإنقاذ نظام المحاصصة الطائفية والعرقية!

زيادة في التملق السياسي للصدريين، يحشر كاظم حبيب نفسه في انشقاقاتهم وخلافاتهم الداخلية فينحاز ضد فريق منهم إلى جانب فريق آخر يقوده زعيم التيار مقتدى الصدر واصفاً المنشقين عليه أي جماعة العصائب بزعامة الخزعلي (بمجموعة من الإسلاميين السياسيين المتطرفين الذين مارسوا مختلف أنواع العنف في الصراعات الدائرة بالبلاد والقتل على الهوية)! وهذه واحدة من أقدم وأوسخ صفات الانتهازيين السياسيين حين يتطوعون للدفاع عن طرف ضد آخر في ظاهرة أو كيان لا علاقة لهم به من بعيد أو قريب ويصدرون الأحكام القضائية والسياسية ضد طرف منهم لإرضاء طرف آخر لا يأبه لهم ولا يحترمهم!

كاتب عراقي

مقالات أخرى للكاتب