رأي

من الصدامية الى السيستانية (7)

من الصدامية الى السيستانية (7)

عبدالأمير الركابي

كلما مر الوقت كلما وجدت المرجعية نفسها مضطرة للحضور والانغماس المباشر في الاحداث، فهي تعلق اسبوعيا عبر ممثلها في كربلاء على المجريات، وتكاد تدخل عالما من الممارسة لم تعهده مثيلاتها ابدا ولم يسبق ان فكرت به، فالمعتاد والثابت في ممارسة المرجعيات ان تظل بعيدة عن التفاصيل السياسية كليا، معتمدة نمطا او تاكتيكا يتسم بال "عزلة"، تعلمها منها حتى بعض السياسيين القريبين من اجوائها، واشهرهم "جعفر ابو التمن" زعيم "الحزب الوطني العراقي" في العشرينات وابو الحركة الوطنية الحزبيه الايديلوجية، فكان يمارس "الاعتزال" ضمن تكتيك ايجابي، اتسم على عكس مايميز سلوك المرجعية بالتقطع وعدم الدوام، واستعمل في المنعطفات كنوع من "الاحتجاج"، يتم اللجوء اليه في الظروف الصعبه او القاهرة، او التي كانت الحركة الوطنية تعجز خلالها عن ممارسة دورها بفعل الخذلان داخل معسكرها، او الضغوط القاهرة المسلطة من السلطات الملكية الحاكمه ومن ورائها.   وليس هذا بالامر العابر، بالاخص وانه قد تحول في بعض لحظاته الى موقف يكاد يكون خارقا، ولا مثيل له في كل تاريخ التشيع العراقي، فمنذ عدة اسابيع خرج ممثل المرجعية في كربلاء خلال خطبة الجمعة المعتادة ليطلب الى الشباب والمسلمين كافة، التهيؤ والتدرب على حمل السلاح استباقا لماهو آت من احداث عظمى، على راسها وبمقدمها "ظهور المهدي" الذي ورد في الخطبة ان الدلائل والعلامات تترى مؤكدة قرب حصوله، ومثل هذا الاعلان برغم استثنائيته، الا انه يصيب ارضا خصبه شهد العراق خلالها ظهور مايقرب من تسع حركات "مهدوية"، من ابرزها "حركة اليماني" و"جند السماء" و"السلوكيون"، عدا عما يوحي ويقتنع به اخرون بما فيهم التيار الصدري، وجماعات في ايران، الامر الذي يجعل من مسالة "المهدي" من اكثر الظواهر دلالة ضمن التمخضات الفكرية والدينية السياسية في ربع القرن المنصرم من تاريخ العراق، بقدر دلالته على سبات وموت ماقد يعرف بـ"الثقافة العراقية" العلمانية واليسارية ببنيتها الانشائية التقولية الايديلوجيه، وضآلة وانغلاق افقها، وانعدام حساسيتها ازاء حركة الحياة والظواهر ومدلولاتها.   ذلك في حين لم تتوقف المواجهة بين "المرجعية" والمهدويات على كثرتها وخطورتها احيانا، كما كان الحال مع حركة "جند السماء" حيث عرف بان المرجعية كانت مهددة مباشرة وبالعنف واستعمال السلاح، استنادا لدعاوى تلغي المرجعيات بالقوة والتصفية الجسدية باسم "المهدي". وتدخل هذه الناحية او التطور الملفت داخل التشيع،بالاخص في الفترة الاخيرة من "الصدامية" وبظل الحصار الاقتصادي الذي كان مفروضا على العراق في التسعينات، وصولا الى مابعد الاحتلال، وقيام "العملية السياسية الطائفية" بصفتها ثقلا وتحديا اخر على المرجعية عالجته بعدم الرضوخ والعقلانية، فانكرت بالصمت دعاوى مدعي المهدوية بما في ذلك ايحاءات التيار الصدري على الرغم من قوة وثقل حضوره.   وقد يعتقد بعض الملتزمين بتلك الحركات المهدوية، او بقاياها، بان موقف المرجعية الاخير يقصدها ويريد الاجهاز على باقي متبقاياتها الفكرية او التنظيمية، كما ان البعض يمكن ان يداخلهم الظن بان هذا الموقف، ياتي مصداقا لماذهبوا اليه هم من قبل، فالاعتراف الاخير والتبشير المرجعي بـ"قرب الظهور" قد يستعمل من قبل هذه الحركات وبعض مدعي المهدوية شخصيا، كدليل على صدق ماكانوا ادعوه قبلا، ممهورا هذه المرة من المرجعية بذاتها، وليس من الصعب والحالة الايحاء بان المرجعية " اضطرت اخيرا" للاعتراف بما هو حقيقة قريبة وعاها واحسها اولا ومبكرا، اناس من خارج المرجعية او هم ممهدون مكلفون الهيا من دونها.   كل هذه المواطن، أي :"المهدويات"و "وتبدلات اداء المرجعية" و" تدني حضور المفهوم العلماني المواكب"، تلقي اليوم في المجرى العراقي الحي مولدات على الهم العراقي التاريخي، يسم الوطنية مجددا انشغالاتهاعند لحظة ومرحلة، يكاد ملمح اعادة الولادة يكون هو الحاكم والناظم الاساسي الطاغي عليها، ومع ان موقف المرجعية الاخير غير المسبوق تاريخيا على مدى تاريخ التشيع يتسم بمغزى سياسي آني، قصدت المرجعية منه المزيد من احراج الموقف الايراني التدخلي في الشؤون العراقية، الا ان تداخل هذا المقصد مع البعد المذهبي العقيدي الخطيرمن جهة، وعلى مدى اوسع، بعده الوطني التاريخي، يجعله متصلا بمقتضيات الكينونه العراقية الاشمل.   ويمكن رؤية الاثر الذي يترتب على الاعلان المرجعي حول "قرب الظهور" على الداخل الايراني، فمشاعر المهدوية الايرانية من شانها ان تتصاعد او على الاقل تضطر للانتباه وتركيز عينها على النجف، وهذا مما يثير خوف القيادة الايرانية، ويضعها امام احتمالات جديدة اقرب الى الهجوم المضاد المعاكس، سيكون في ظل التركيب الايراني المجتمعي وتوزع التيارات داخل الحكم نفسه، بمثابة ضربة ليست هينة، يمكن ان تنتج عنها مؤثرات لاشيء يمنع من ان تتحول الى عامل تغيير في موازين القوى الداخلي، وبالاجمال فان هذا الاعلان مع احتمال رعايته وتعزيزه مستقبلا، سوف يجبر القيادة الايرانية على الانتباه الى كون المرجعية النجفية ليست بلا حول ولاقوة، وانها ليست اقل قدرة على الفعل في الداخل الايراني من فعل حكومة "ولاية الفقيه" في العراق، وقد يوجد من النابهين في ايران من يعيد الاذهان لذكرى مقتل ناصر شاه على يد المرجع" حسن الشيرازي" الذي اصدر بصفته العليا فتواه بتحريم التنباك، بالضد من ارادة حاكم ايران الذي كان يصر على تدخين اركيلته، متحديا فتوى الشيرازي، فاجبر خادمه الخاص على تحضيرها، مادعا هذا الاخير لاستلال خنجره وطعن الشاه فارداه قتيلا صدوعا لامر المرجع الاعلى النجفي وتنفيذا لفتواه.   لقد تغير الزمن كثيرا، الا ان بعض الحوادث ينبغي ان تستعاد حين تلح المناسبات والمشابهات، وحين نكون قد اقتربنا من لحظة مابعد "الخمينية" و"ولاية الفقيه"، تصبح الدلالات التاريخية، ونوع منها، ذات مغزى مختلف، فالتشيع الايراني واخر مبتكراته "الخمينية"، هو بالاصل ومن حيث النشاة قد ترعرع في النجف، وهناك القيت في ظل المرجعية محاضرات الخميني عن "الحكومة الاسلامية" وفي العراق اثناء انتفاضة "خان النص" بين كربلاء والنجف في العراق شهد الخميني اولى بروفات الثورة الاسلامية قبل اقل من سنتين على انفجارها، مبتعدا بها خطوات من اسر ونطاق المتاح مرجعيا ونجفيا من تعامل مع مسالة الحكم المباشر، وعلى اهمية التشيع الايراني ووزن ايران البشري والسياسي الاستراتيجي، فان من يتصدون عادة لقضية قيادة التشيع هناك، كما الحال مع غيرهم من حكام هذا البلد الاساسي اقليميا، يميلون الى التزعم على المسلمين الشيعه، وعلى المدى الاسلامي المحيط والقريب. وهذا التناوب حصل مابين العراق وايران في العصر الحديث، مع نهضة التشيع الحديث منذ القرن السادس عشر، فالصفوية مع صعودها، تصورت ان نموذجها قابل للسيادة، وعملت على ذلك واعتبرته بديهيا كامتداد لها في العراق خاصة في الفترة العثمانية، عندما كان العراق تابعا، ومازال يغط في الحقبة الفوضوية قبل ان يعود للتشكل وطنيا بعد القرن السابع عشر.   الا ان مثل هذا التصور لم يثبت على المدى التاريخي، ولم تلبث الحركة التجديدية الناشئة ان شهدت افتراقا بين تشيع شعبي جذوره " لادولوية" عراقي، وتشيع سلطوي يكرر التاريخ الكسروي، الامبراطوري، لكن الظروف تبدلت اليوم، والتشيع العراقي لم يعد يتمتع بنفس دفع وقوة المحركات التي كانت ثابته تاريخيا قبل "الصدامية"، والعصر والاحداث لم تتوقف عن الفعل وعن احداث المتغيرات العميقة، وتوسيع المدى المطلوب الفعل في رحابه"وطنيا"، هذا عدا التداخلات الاقليمية المحتدمة، والعالمية المتغيرة بقوة، وسوى ذلك من مستجدات كانت طرات اصلا خلال القرن الماضي على حركة التشيع داخل العراق، لتفرز تشكلات وافكار وقوى، من بينها تلك التي تصدرت اخيرا وبعد نهاية "الصدامية" والغزو الامريكي "العملية السياسية الطائفية" القائمة.   فهل الافتراض الذي يخبئه التاريخ الان وبمناسبة مااصاب العراق على مدى القرن الماضي من مسارات مضطربة، وتحولات وانقطاعات وانبثاقات وحروب، وسلسله ثرة من الانقلابات الشاملة، عنت بالعمق الاستحالة، وانتفاء فعالية كل مؤثرات العصر وعدم قدتها على تكريس مشروع يتوافق واشتراطات الحداثة المتصورة والايديلوجية تحديدا، وهل العراق كما اوحى تاريخه في المجابهة الكونية الاولى مع الغرب عام 1920 قد افلح في التملص من اسر وقيمومة المفهوم الاوربي السائد، وكيف ياترى رسم مساراته الخاصة سرا في العمق، وابقى برغم كل شيء على وفائه ل"الخفي الاكبر"، ذلك الذي عاش بالعراق وعاش به العراق على مدى قرون مديده، تعود الى اولى لبنات حضارة الانسان، خفيا مغفلا بقدر ماهو فاعل وحاضر، وقد ان الاوان حتى يصبح معاشا، فيتجلى للمرة الاولى في عالم "الشهود" عراقيا.. امبراطوريا/ كونيا.   ـ يتبع ـ   مفكّر سياسي عراقي  

مقالات أخرى للكاتب