ثقافة

في الموروث الرافديني القديم لم يرتبط نبات في سر الخليقة وبداية التكوين كما ارتبط "القصب"، نبات وكأنه يشكّل مع الماء اكسير الحياة، رمز للحياة وبداية الخليقة، انه سر من اسرار تلك الرقعة الجغرافية الموغلة بالغموض، القصب كان الرمز الذي اتكأت عليه اسطورة الخلق وقصة الطوفان، جاء في اسطورة سومرية إنّ الإله مردوخ بنى منصة من القصب على سطح الماء ومنها خلق العالم، وهكذا ولد كل شيء من الماء والقصب، يا لهذا النبات الطهر المقدس كيف خصته الاقدار بتلك الهيبة. عرف السومريون ذلك، وعرفوا ايضا ان القصب ركيزة مهمة في قصة الطوفان واستمرار الحياة، كان القصب وكانت تلك الارض ثم كانت المخلوقات الاخرى، القصب ارتبط في اسس وركائز الحضارة السومرية شكلا ومضمونا، في كتابه الشهير مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة يشير العلامة طه باقر أن هناك من يعتقد بأن معنى كلمة "سومر" هي "ارض سيد القصب".

اما الباحث الدكتور خزعل الماجدي "في حوار خاص يأتي لاحقا" فيذهب الى ان أن سومر كان اسمها عند السومريين  "كي اين جي"  أي أرض أحراش القصب.

كما جاء في اوديسة العراق الخالدة "ملحمة كلكامش" بأن "إنكي" او "إيا" إله المياه العذبة والخصوبة، إله الحكمة والسلام حينما اراد ان يحذّر "اتونبشتم" من الطوفان اختار مخاطبة بيت القصب:

"بیت القصب.. یا بیت القصب!

جدار... یا جدار..

اصغِ أنت یا بیت القصب.. یا رجل شوروباك

یابن اوبارو  توتو:

ھدَّ بیتك وابنِ مركبا."

ادرك السومريون بحكمتهم ونباهتهم المعهودة ان القصب اكسير الوجود، لذلك حينما جفّت عروق القصب واختفى الماء جفت الحياة في الاهوار، لكن ما ادركته العلوم الحديثة متأخرا ان هذا النبات عنيد ويرفض الفناء، ان جذوره تتحمل الجفاف لثلاثمائة عام دون ان تموت!

القصب موجود حينما كانت اور وربما كان موجودا قبل ذلك، حتى ان مؤسس السلالة الثالثة في اور هو الملك "اورنمو" التصق اسمه بالقصب فـ"اورنمو" يعني "ملك القصب".

في اسطورة "انكي" و"ننخرساج" في دلمون يقوم الاله انكي والاله اوتو اله الشمس بإخراج المياه العذبة الى دلمون من اجل ان ينبت فيها القصب والبردي والنباتات الاخرى وعبر سلسلة من الخطايا التي يرتكبها الاله انكي وفق الاسطورة يعم الخير وتنبت النباتات وتولد اله جديدة.

في اسطورة رحلة القمر الى "نفّر" المدينة المقدسة التي استقر فيها الاله القومي للسومريين "انليل" فإن اله القمر "نانا" يسافر من اور الى نفر بمركب هلالي الشكل ويمثل امام ابيه انليل جاء في لوح عن تلك الاسطورة:

"في النهر اعطاه فيضا من الماء

في الحقل اعطاه المزيد من القمح

في الاهوار اعطاه العشب والقصب" بعد هذه العطايا وغيرها يعود نانا معززا بالقوة الى اور.

تصنع من القصب مزمارا واكثر من ذلك، تصنع منه فلكا، حطبا، ومبانى مختلفة الشكل، ومنها تلك المقوّسة التي تسمى اليوم بـ"المضيف" وقد عثر في اللقى الاثارية السومرية على الواح منقوش عليها بناء مقوّس من القصب يشبه بناء المضيف في العصور المتأخرة. لقد كتب السومريون ودوّنوا معتقداتهم باستخدام القصب، وعلى حد تعبير الآثاري المخضرم صموئيل كريمر: "أمّا خير ما فعله السومريون فهو أنهم أنشئوا وطوروا بالتدريج طريقة للكتابة بقلم القصب وعلى الطين، مكّنت الأنسان لأول مرة في التاريخ من أن يدوّن ويخلّد أعماله وأفكاره وآماله ورغباته وأحكامه ومعتقداته".

القصبة كانت تمثل مقياسا اساسيا من مقاييس الطول عند السومريين، عن القصب يكتب الجاحظ في رسائله: "لقد جهدت جهدي ان اجمع منافع القصب ومرافقه واجناسه وجميع تصرفه وما يجي منه فما قدرت عليه حتى قطعته وانا معترف بالعجز مستسلم له".

للقصب تاريخ وهيبة وضرورة كبيرة لسكان الاهوار، منه يصنع المضيف، والصريفة، والصوباط، (الشكص) ومعظم المباني هناك، تصنع منه "البارية" وهي بساط من القصب، انه المادة الخام للكثير من التفاصيل الاخرى في حياة الاهوار، انه الوقود الاساسي لهم، انه الغذاء الاهم لمواشيهم وخصوصا الجاموس، القصب هو الحلقة الاهم في صناعات عرب الاهوار.

يشكّل القصب عصبا اساسيا في مرتكزات الحضارة السومرية بشكل خاص والحضارة الرافدينية بشكل عام، كما هو الحال مثلا مع الخيزران الذي قامت عليه الحضارة الصينية بشكل خاص والحضارات الشرق آسيوية بشكل عام، ان بين القصب والخيزران ترابط بايلوجي وتاريخي مثير للانتباه! بل يظن البعض ان الخيزران ليس الا نوع من القصب. وكما للخيزران اهمية استثنائية في بنية المنظومة الثقافية الادبية والفنية الصينية يشكّل ايضا نبات القصب عصبا اساسيا في الميثولوجيا العراقية وفي النصوص الادبية القديمة لبلاد ما بين النهرين.

الخيزران يشكّل لبنة اساسية في الحضارة الصينية، لقد استخدم الصينيون وكذلك اليابانيون الخيزران في صناعة البيوت وأثاثها، منه صنعت الاسلحة، ومنه ايضا صنعوا الورق قبل عشرات القرون، استلهموا منه ايضا الشموخ، التواضع والصلابة في المحن، بل هو جزء لا يتجزأ من طقوس العبادة والقيم الاخلاقية للشعب الصيني.

صباح كل يوم يمتّع الصينيون نواظرهم بحقول الخيزران التي تقف شاهقة اعوادها الممتشقة، فهم أكثر البلدان التي رعت الخيزران واستثمرته في مختلف متطلبات الحياة القديمة، الخيزران متمثل في الثقافة الصينية القديمة والحديثة بشكل غير معهود، حوله نسجت الاساطير وتشكّلت لبنات الفولكور الشرق الاسيوي عموما والصيني على وجه الخصوص. ولأنه لا يذبل في فصل الشتاء القارص يعتبر بالنسبة للصينيين أحد الاصدقاء الثلاثة" الخيزران، الصنوبر والبرقوق".

لليابانيين قصص اخرى مع الخيزران فهم يلتمسون الامان في حقول الخيزران حين حدوث الزلازل والهزات الارضية، فالخيزران ونتيجة لصلابته وصلابة جذوره وتشابكها يجعل الارض متماسكة وقوية لا تستجيب سريعا للهزات الارضية. علاوة على ذلك فالنص الروائي الاقدم في الادب الياباني هو رواية او قصة "قاطع الخيزران" إذ كتبت في القرن العاشر تقريبا، بل هي النواة الاساسية للفولكلور الياباني. بذات الدرجة وربما لدرجة اهم من الخيزران ترتفع اهمية القصب في الموروث الرافديني القديم.

النباتان سجّلا حضورهما في اهوار الجنوب العراقي، لكن الفارق بينهما ان القصب له الحظوة الكبرى والوجود الطاغي في تلك البيئة، فيما يقل ويندر وجود الخيزران "القنا" هناك، ولهذا تقتصر الاستفادة منه بالنسبة لسكان الاهوار عادة في دفع المشحوف وما شابه ذلك. يقال: إن القصب والخيزران ينتميان الى عائلة واحدة وهي فصيلة النجيليات، انهما يشبهان بعضهما كثيرا من ناحية الشكل ومن ناحية دورهما البارز في صناعة التاريخ والميثولوجيا.

لقد كانت عامرة بأهلها الاهوار حينما كان الماء والقصب، تقول حكمة سومرية: "حيثما تغمر المياه الأرض ينمو الخير وتخرج أجنحة السعادة إلى الوجود". وحيثما يختفي الماء والقصب يختفي ما تبقّى من عنفوان تلك الحضارة.

مقالات أخرى للكاتب