رأي

عن الردة الفكرية

عن الردة الفكرية

جمال الخرسان

طوال عقد التسعينات من القرن الماضي ثم العقد الاول للقرن الحادي والعشرين نمت ونشطت حركة فكرية ثقافية ذات طابع ديني اجتماعي متعدد التوجهات ومتنوع الافكار انعكس بشكل ايجابي كبير على مجمل الحركة الثقافية والفكرية في اكثر من بلد عربي واسلامي وخصوصا في بعض مراكز الاستقطاب الديني، كان هناك مخاضا فكريا نتج عن اثارات واسئلة جريئة، شجاعة وغير عبثية، اسئلة حرّكت المياه الراكدة عند جميع التيارات بما في ذلك المنغلقة على نفسها، كنا نتفاءل بذلك المخاض الفكري الاستثنائي والمطلوب من اجل التجديد في الخطاب الثقافي والديني، في هذا الاطار صدرت دوريات فكرية شهرية وفصلية تحمل شيئا من ذلك الخطاب، كتب، مؤتمرات، ندوات وسجالات يومية تساهم بشكل او بآخر برفد ذلك التوجه التجديدي المتراكم. من ابرز تلك الحواضر الدينية التي شهدت حراكا ملحوظا هي مدينة قم الايرانية، ليس مفاجئا ان مكتبة طالب العلوم الدينية ناهيك عن الباحث والكاتب في مدينة مثل قم على سبيل المثال تضم كتبا متنوعة جدا، فتجد الى جنب كتاب "المكاسب" للشيخ الانصاري كتاب "تاريخية الفكر العربي الإسلامي" لمحمد اركون والى جنب كتاب الاشارات لابن سينا ثلاثية عابد الجابري، وهكذا تصطف في رف واحد كتب مطهري، شريعتي، حسن حنفي، باقر الصدر وبول سارتر اضافة لكتب كثيرة ومتنوعة. لكن وتيرة ذاك الحراك في قم او في بقية المدن العربية والاسلامية المعنية بالفكر الديني وبسبب التحولات السياسية في منطقة الشرق الاوسط تراجعت الى حد كبير، تلك التوجهات لصالح التوجه التعبوي الذي يرفع تحد الحفاظ على الوجود والهوية المذهبية ليس بمعناها السلبي، مما يعني تجميد الحراك التجديدي وتأجيله الى اشعار آخر، لقد اختفت الاسئلة الجريئة والطرح الاكاديمي الجاد، وعدنا خطوات الى الخلف. لقد ادرك الجميع بما في ذلك ابطال ذلك التوجه وبسبب التطورات الاخيرة ان الحديث عن تلك الرؤى التجديدية الجادة بمثابة التغريد خارج السرب ليس هناك من يصغي له.

مقالات أخرى للكاتب