رأي

المثقف المهادن.. دعوة لكسر السائد

المثقف المهادن.. دعوة لكسر السائد

منتظر ناصر

لا شك أن الوسط الثقافي العراقي يعاني من تشرذم حاد وتفكك خطير في بنيته الفكرية والاجتماعية، نتيجة للظروف التي أملتها سياقات الماضي ورهانات المرحلة، ما أعاق تقدمه نحو صناعة أنتلجنسيا حقيقية، أو نخبة مؤثرة داخل المجتمع. غير أن هذه المرحلة، أسهمت في فرز نوعين من المثقف: أولهما: المثقف المهادن والمداهن والمتماهي مع "السائد الشاذ" كالفساد والصلات الاجتماعية غير النظيفة (ولا تحكمه هنا درجة القرب أو البعد من هذا المسؤول أو ذاك السياسي). وثانيهما: المثقف المواجه أو الثائر على المألوف والسائد، والمدفوع برغبة جامحة في ممارسة دوره الحقيقي بالثورة ضد الشذوذ المترسخ منذ أعوام في بلده وتحقيق الأفضل له ولمجتمعه. ويندرج في هذه الخانة، عدد من المبادرات الفردية التي ذهبت أدراج الرياح، بسبب فرديتها وأنانية أصحابها وعدم تماسكهم عضويا مع أفراد ومؤسسات أخرى تنتمي لذات الوسط.   غير أن ذلك ليس هو الصورة كاملة، إذ أن هناك محاولات فردية أثمرت وربما ستثمر أكثر بفضل إصرار منفذيها، وتماسكهم مع أفراد ومؤسسات أخرى داعمة. وهناك مصداق ملموس عايشناه على مدى شهور مع قرائنا الكرام في صحيفة "العالم الجديد" الإلكترونية، وهو ما أسميناه قضية العام الثقافية، ألا وهي محاكمة مدير عام دائرة السينما والمسرح التابعة لوزارة الثقافة، نوفل أبو رغيف، أحد أبرز مسؤولي الوزارة المتورطين بقضايا فساد.   فبعد الوقفة الشهيرة للمخرج السينمائي العراقي محمد الدراجي، في قاعة المسرح الوطني، وإعلانه أمام الملأ محاولة الابتزاز الرخيصة من قبل أبو رغيف، وعدم الرضوخ لابتزازه، وإقامة دعوى ضده في المحاكم العراقية التي لا زلنا نعول عليها، وقفت الصحيفة داعمة لهذا الموقف الشجاع الذي أصر صاحبه على مواصلته، وأسهمت هي في فضح المستور، وتقديم الدعم المعنوي المطلوب في تلك المجابهة، إيمانا منها بأن المعركة لا تخص أحدا، وإنما تشمل شعبا مسروقا بأكمله، بل وأجيالا لاحقة ستحاسب كل من داهن وهادن في هذا الزمن الرديء.   ورغم أن كثيرين شكّكوا في جدوى تلك المحاكمة، وعدّوها صورية وشكلية، وأنه سرعان ما سيتدخل زعيم جهة سياسية إسلامية معروفة تحظى بمقاعد عريضة في البرلمان العراقي، لإنقاذ أبو رغيف من هذا المأزق، بسبب انتمائه لجهته السياسية، فإن القضية أخذت مسارا جديا فعلا، وأحيل بموجبها المسؤول المتهم الى محكمة الجنايات، وهو أمر مهم في ظل استشراء الفساد، وشراء الذمم، واستخدام أقذر الأوراق لتهديد الخصوم، الأمر الذي لم ينفع مع الأخوين محمد وعطية الدراجي، اللذين خسرا بكل تأكيد الكثير من الوقت والجهد والابداع والمال جراء تلك المواجهة العلنية مع واحد من أعمدة الفساد في تلك الوزارة المليئة بالملفات المشبوهة، وبالخصوص مشروع النجف عاصمة الثقافة الاسلامية، ومشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية، وملف المراكز الثقافية في الداخل والخارج.   كان لهما أن يخضعا لذلك الابتزاز كغيرهما من دون تلك الضجة والارهاق وحرق الأعصاب، إلا أنهما بذلك صنعا درسا مفاده أن المثقف قادر على تحقيق ذاته، وإحداث التغيير المنشود رغم جسامة الخراب الذي لا يقابله جهد يذكر.   لذا كان من الضروري ايجاد نوع من التماسك والانسجام بين صنّاع الرأي والثقافة، كي تحقق النتيجة المطلوبة، كما أثمر يوم أمس الأربعاء، في جلب المتهم أبو رغيف الى قاعة المحاكمة.   ولعل ما تقوم به "العالم الجديد" اليوم، من كشف لملفات الفساد في الدوائر والوزارات العراقية، يندرج في إطار تلك المواجهة النبيلة التي ستتكلل بالنجاح حتما، بفضل مسعاها الجاد والمقدس في نشر غسيل الفاسدين، ولن تعيقها كل رسائل التهديد التي وصلتني شخصيا من مكتب مسؤول رفيع في وزارة الثقافة ورد اسمه في أحد التقارير التي نشرتها الصحيفة، ولن أتوانى بالكشف عن هويته في مناسبة أخرى، إذا ما استمر في غيّه، ومواصلة مسيرته بوضع العصي في عجلة محاولات الصحيفة بالكشف عن ملفات الفساد وتوفير الحماية للفاسدين.   كل ذلك يجري في ظل صمت مخزٍ للمثقف المداهن الذي ارتضى بيع ضميره بسَفرة (بفتح السين) أو سُفرة (بضمها)! لإجهاض أي محاولة في خلق ربيع ثقافي في البلاد.  

مقالات أخرى للكاتب