رأي

"كاشف" أم "ناسف"؟

"كاشف" أم "ناسف"؟

منتظر ناصر

عقب تفجير الكرادة الدامي جدد رئيس الوزراء حيدر العبادي أمره المجمد منذ تسنمه المنصب بسحب أجهزة كشف المتفجرات، استجابة لدعوات ناشطين عراقيين نظموا حملة "كاشف الزاهي"، والتي تهدف الى إطلاق رصاصة الرحمة على واحد من أفسد المشاريع في سجلات الحكومة السابقة، وهي الصفقة التي كلفت ميزانية البلاد نحو 100 مليون دولار مقابل آلاف الأجهزة المزورة المعنية بكشف المتفجرات.   الصفقة التي قيل أن عرّابيها رجلا أعمال أحدهما بريطاني والاخر عراقي! البريطاني تمت محاكمته وسجنه في بلده العام 2010، أما الآخر فقد تم العفو عنه، ودخل سوق السياسة ليقود كتلة برلمانية ومنظومة إعلامية. ففي العام 2009 بدأت الحكومة البريطانية بالتحقيق مع الشركة المصنعة، للجهاز (أي تي سي إس)، حيث تم اعتقال صاحب الشركة بتهمة الاحتيال، ومنع من بيع المزيد من تلك الأجهزة، ولولا اثارة القضية في لندن لما تمت اثارتها في بغداد، ولمرت الصفقة دون أن يعلم بتفاصيلها أحد. وقد اكتفى القضاء العراقي بالحكم على المدير العام لمكافحة المتفجرات السابق اللواء جهاد الجابري بالسجن أربع سنوات، دون محاسبة أي مسؤول آخر في وزارة الداخلية.   وكانت الشركة البريطانية قد أعلنت إمكانية كشف الأسلحة والأعتدة والمخدرات وأنواع من الفطريات وجسم الإنسان والعاج، وأنها ليست بحاجة الى بطاريات لكي تعمل، واضافت أن كل ما تحتاجه هو أن يقوم مستخدمها بتحريك ساقيه للأعلى والأسفل لكي يولد الطاقة الكهربائية المطلوبة لتشغيلها. الغريب في الأمر أن وزارة الداخلية ظلت مصرة على استخدام هذا النوع من الاجهزة، على الرغم من اقرار القضاء بفساده، وحكومة البلد المصنع، لكن الأدهى والأمر أن سماح الوزارة باستخدامه في نقاط التفتيش "السيطرات" كلّفت العراقيين أرواحا ودماء، بسبب عدم جدواه ومرور مئات بل الاف السيارات الملغمة من جانبه دون أن يكشف سيارة واحدة من تلك التي تفجرت، حتى تحول بحسب اخر حملة قادها الناشطون الى "ساطور" مسلط على رقابهم.   المعلومات المسربة عن الجهاز أنه تقليد لجهاز العثور على كرات الغولف ويُباع بعشرين دولارا في الولايات المتحدة، بينما تجاوز سعر القطعة الواحدة منه بـ6 آلاف دولار حين استورده العراق لادخاله في الخدمات الامنية منذ 2007. السؤال الملح الان هو هل سيحقق العبادي رغبة العراقيين في سحب هذا الجهاز الفاشل من "السيطرات"، أم انه سيرضخ لمافيا الفساد المستشري داخل الحكومة وفي وزارة الداخلية كما خضع لها في 2014 حين وعد بالتخلص قريبا من ذلك الجهاز وتعوضه ببديل، الا انه ورغم مرور عامين على تلك التصريحات لم يقم باي اجراء يذكر.   فيما يظل السؤال الأكثر إلحاحا هو أي صفقة ستبرمها حكومة العبادي لتعويض تلك الصفقة الفاسدة؟ هل ستخضع لشروط المسؤولين الفاسدين ومنزوعي الضمير، الذين لا همّ لهم سوى ملء جيوبهم من "السحت" والمال الحرام الملوث بدماء وأحزان العراقيين، والمباركين من قبل كتلهم السياسية التي زجت بهم في هذه المناصب.  

مقالات أخرى للكاتب