رأي

الذاكرة العراقية المبعثرة

الذاكرة العراقية المبعثرة

جمال الخرسان

من مساوئ القدر ان بلدا حرص ابناؤه الاوائل الرافدينيون الذين عاشوا قبل آلاف السنين على توثيق وتدوين حياتهم اليومية على الواح من الطين.. تهمل المؤسسات الرسمية الحالية فيه جمع، ارشفة وحفظ هذا السيل الهائل من التفاصيل والتي تشكل مجتمعة الذاكرة العراقية، اما ما موجود فعليا فمتروك في اقبية مظلمة ورطبة ورفوف بالية متهالكة ساقطة فوق بعضها، الاسوأ من ذلك ان بعض المؤسسات الرسمية وغير الرسمية تتعمد اهمال واتلاف ما يوجد بين يديها من ذاكرة بشكل كلي او جزئي. اكياس من الوثائق تجد طريقها الى النفايات امام اعين من يطلب بشكل رسمي الاطلاع عليها ويتم رفض طلبه بشكل او باخر!

ان تدوين وتوثيق تلك الحلقات المتناثرة لهذا البلد قضية في غاية الاهمية ليس فقط لأنها شأن عراقي، بل لأنها شأن انساني ايضا، التفاصيل مهما كانت متواضعة تتحول بمرور الزمن الى موروث انساني عام. حيثما ذهبت وانا كثير التجوال داخل العراق وخارجه، شرق هذه الارض او غربها حرصت قدر المستطاع على بذل ما بوسعي من اجل ذلك، اعرف ان الفوضى تنخر هذا البلد ومؤسساته الرسمية واعرف ان الكثير منها ضاع لولا جهود فردية هنا او هناك،  ذلك ما دفعني لملاحقة كثيرا من التفاصيل بما في ذلك التفاصيل الصغيرة والتي ان كان بعضها للوهلة الاولى لا يستحق الاهتمام لكن افلات أي منها قد يفقدك الوصول للعديد من الحلقات المهمة المفقودة. حيثما تسمح الظروف، أطرق باب العديد من المؤسسات التي لها علاقة بالعراق بشكل او بآخر، أحاول ارضاء فضولي الجارف في الاطلاع على تفاصيل منسيّة من حقب مختلفة لتاريخ العراق المعاصر. في قطب هذا العالم اطلعت على أرشيف مؤسسات ثقافية كانت على علاقة بالثقافة والتاريخ العراقي، كذلك شركات عديدة لها علاقة بالعراق طيلة النصف الثاني من القرن العشرين، ووجدت هناك الكثير مما يستحق الاهتمام.

وكما لاحقت تفاصيل كثيرة في جنوب العراق تتعلق بذاكرة الاهوار البيئة التي عشت فيها وكنت شاهدا على المتغيرات الطبيعية والسياسية التي مرت عليها والتي اهمل الكثير منها، كذلك لاحقت المزيد ايضا هنا حيث اعيش في بلد قطبي، ففي متحف المعماري الفنلندي الشهير الفار التو بمدينة يوفاسكولا وجدت تصاميم مهمة صممت خصيصا لبغداد ولم تنفذ، وفي ارشيف متحف اموس اندرسون للفن الحديث عثرت على ما وثق حول فعاليات ثقافية وفنية احتضنها المتحف بحضور جمهور غفير وحضور رسمي. وفي ارشيف شركات مثل لمينكاينن وثقت الكثير من التفاصيل عن بناء قصر المؤتمرات والظروف التي صاحبت البناء، في جزيرة غوتلاند السويدية سلطت الضوء على كنوز الذهب والفضة التي جاء بها الفايكينغ من مختلف مدن العراق قبل مئات السنين، وهكذا الحال في معظم زياراتي الى بلدان شمال اوروبا او بلدان العالم احاول تسليط الضوء على حلقات مفقودة في ذاكرتنا المنسية، المتشظية والمتروكة هنا وهناك على قارعة الطريق.

الاطلاع على أرشيف الآخرين تجربة ثرية، وبين ثنايا هذا الأرشيف قد تلتقط الكثير مما له علاقة بالعراق، حلقات منسية من الماضي الذي فقد الاهتمام به بسبب التراكمات السلبية التي حصلت. مرّت بنا كعراقيين أحداث كبرى صادمة الواحد منها كفيل بجعلنا نفقد الذاكرة للأبد. التراكمات السلبية ولا مبالاة المؤسسات الرسمية جعلتنا نفقد ارشيفنا في الواقع، ونساهم بمسحه من الذاكرة ايضا. هناك جهود فردية داخل العراق او في العديد من زوايا هذا العالم تقوم بما بوسعها من اجل لملمة ما تبعثر، ومهما كانت متواضعة تلك الجهود المبذولة لكنها تشكل مجتمعة حصيلة مهمة وخطوة لأي جهد مؤسساتي في المستقبل يتكفل مهنيا بترميم مدروس للذاكرة العراقية.

مقالات أخرى للكاتب