رأي

خرج "الساسة" يوما بلباس الواعظينا

خرج "الساسة" يوما بلباس الواعظينا

جمال الخرسان

فجأة يطل علينا هذا السياسي او ذاك بعد ان عبث بمقدرات البلاد والعباد كما يعبث الطفل بالحصى، ويطالب الجميع بالالتزام المفرط بضوابط المهنة! خصوصا حينما يخاطب ساستنا بكبرياء مفرط الصحفيين والعاملين في وسائل الاعلام ويطالبونهم بضرورة توخي الدقة والحذر، وعدم الاساءة لمهنة الصحافة! المقصود طبعا بهذه التوصية فقط حينما يتعاطى الصحفي مع سلبيات هذا السياسي او ذاك، اما ان تحدثت وسائل الاعلام عن انجازات السياسي فليست هناك ضرورة ملحة تستدعي توخي الدقة في نقل الوقائع!

هكذا ينسى اصدقاؤنا السياسيون انفسهم واخفاقاتهم الواضحة للعيان ومن منطلق كونهم بشر تمظهروا بمظهر الملائكة المنزلين من السماء يمارسون دور الواعظ! ويقدمون النصائح للآخرين على طريقة احمد شوقي حينما قال: "خرج الثعلب يوما في لباس الواعظينا".

يريد السياسيون من الصحفي ان يتعامل مع الاتهامات الموجهة للطبقة السياسية بميزان الذهب، الساسة وحينما يلاحقون بأداة القضاء الذي يؤثرون عليه كثيرا وسائل الاعلام على خلفية اتهامات توجّه لهم بالتقصير او ارتكاب مخالفات قانونية، يقاضونه وفقا لمواد قانونية شرّعت بعد انقلاب شباط الاسود عام 1963 ووفقا لتلك المواد القانونية يمكنك ان تشاهد "المرود بالمكحلة" ولكنك لن تمسك باي دليل يدين اي سياسي مهما كان فاسدا، الطبقة السياسية فضلت عدم تعديل القوانين التي شرعها صدام حسين اذا ما كانت تصب في صالح تلك الطبقة.

ان مطالبة الصحفي بالأدلة شيء من صميم عمل الصحفي وهو حالة صحية، لكن تلك الدعوة من قبل السياسيين ما هي الا كلمة حق يراد بها باطل، وذلك لان الصحفيين في مناسبات عديدة انجزوا تحقيقات صحفية مرفقة بالوثائق والمستندات حصلوا عليها بعد جهود مضنية ولكن الجهات المعنية اغمضت عينيها عن ملاحقة المخالفين للقانون بل ومنحتهم مناصب رفيعة بعد ارتكابهم لتلك المخالفات! اضف لذلك ان بعض التحقيقات الصحفية قد لا تتوفر فيها معطيات ترتقي لمستوى الدليل ولكن المؤشرات التي ترد فيها ترتقي الى ادلة ظنية توجب على الاقل اهتماما خاصا من قبل الجهات الرقابية بهدف الوقوف على حقيقة الامر، وهذا ما لم يحصل، بل عادة ما ينجز الجزء الاخير من القصة بملاحقة الصحفي ووسيلته الاعلامية فيما يستمر السياسي الفاسد بممارسة هواية التجاوز على المال والحق العام!

وفي نهاية المطاف فأن عدم وجود الوثيقة والدليل في المتابعات الصحفية يمثل ذريعة كافية لملاحقة الصحفي قانونيا، لكن في نفس الوقت فإن وجود الوثيقة لا يمثل ادانة للسياسي على الاطلاق!

 

مقالات أخرى للكاتب