رأي

الحركة النسوية والكتابة النسوية

الحركة النسوية والكتابة النسوية

عقيل عبد الحسين

هل لدينا حركة نسوية؟ هل الكتابة النسوية شيء غير الحركة النسوية؟ هذان هما السؤالان الكبيران اللذان يحاول أن يجب عنهما كتاب "سوانح فتاة" لـ"مي زيادة" (1886-1941) الكاتبة المصرية ثقافة، واللبنانية أصلا، والفلسطينية مولدا.   وهما السؤالان اللذان قلّ أن يطرحهما ناقد أو كاتب، فقد صار معروفا عند الكاتبات أن النسوية هي شأن يتصل بالكتابة ولا يتصل أبدا بالحركات النسوية الفاعلة في المجتمع التي تعمل وتناقش وتحاور وتشارك في الحياة العامة من أجل تحقيق مطالب النساء، ومن أجل التعبير عن وجودهن وصوتهن وتطلعهن ورغبتهن في المساواة بالرجال في الحكم والعمل والإدارة والحرية والقوانين وغيرها من الأمور التي صارت المرأة فيها تعاني من تراجع كبير في مجتمعاتنا في العقود الأخيرة.   ولا يخفى أن الكتابة النسوية ما هي إلا طريقة من طرق التعبير عن المرأة، وأنها كانت في الأصل تواكب الحركات النسوية وتعبر عنها. هذا على الأقل ما نفهمه من مي زيادة نفسها التي تصرح في كتابها سوانح فتاة أنها، أي الحركة النسوية، حركة فاعلة مميزة (هذا في حدود العام 1914!)  (جعلت النساء المصريات يظهرن في كل اجتماع قومي ويخرجن في أحرج المواقف وأوجعها للقلوب الوطنية). ومي نفسها تحضر واحدة من المحاكمات السياسية الخطيرة لترى ما يجري وتعبر عنه وتنقله إلى الرأي العام.   ولكي تتميز الحركة النسوية وتؤدي في المجتمع غرضها المنشود لابد من أن تواجه بالكتابة المجتمع الذي لا يعترف بالمرأة أو بحقوقها. وبالكتابة لا أعني، أو لا تعني زيادة، الكتابة المباشرة، أو المستكينة، أو المنفعلة، ولكن الكتابة المختلفة التي تمثل المرأة تمثيلا لغويا يناسب طبيعتها، ويؤدي غايتها الساعية إلى هدم الأوضاع الثقافية والكتابية التقليدية السائدة.   تعمل مي زيادة في سوانحها على السخرية من تلك الأوضاع، فهي واعية بها، لا تخضع لتأثيرها، ولا تقبل أن تكون إحدى ضحاياها. وهي لا تتماهى معها كما كانت تفعل الخنساء التي تكتب بلغة الفحول، ولا ترتد عنها ردة عاطفية فتكتب كتابة شاكية باكية متذمرة ذاتية مركزها ذات الأنثى المهزومة، وإنما هي كما تقول: (أكتب هذا وأنا أعض على سبابتي ضاحكة). ذلك لأنها اتخذت مسافة من العالم، أفردت من خلالها ذاتها عن ذلك العالم بكل ما فيه، من رجال ونساء محكومين بثنائية ثقافية صارمة. لأنها، في النهاية، لا تريد أن تنتمي إلى فكرة مجردة، أو فئة تدافع عنها، كما تفعل الكتابة النسوية اليوم، وإنما تريد أن تنتمي إلى نفسها فـ(بالأمس كانت الكتابة بلا معنى واليوم الكتابة تعبر عن الإنسان أيا كان جنسه، وعن ذوقه، وعن تربيته، وعن مكانته الاجتماعية).   وإذا ما أُفردت الذات عن العالم، وعن أي انتماء مسبق لقضية ذهنية، أو فكرة مجردة، عاد ذلك على الحركة النسوية بالقوة، لأنها حركة واقعية، وعاد على الكتابة بالقوة والقدرة في التأثير، وجعلها أكثر إقناعا وإفادة للمجتمع عامة وللأنثى خاصة، فالكتابة هنا لا تعبر عن أوهام أو هواجس أو دعوات وأفكار مجرة، وإنما تعبر عن الواقع ومتغيراته، وما يكون فيه من مشكلات ومن تطورات.   ولكن قوة الكتابة، قبل ذلك، تأتي من تمثيل مي زيادة للعلاقة بين الذات والآخرين فيما تكتب، فهي في أغلب مقالات هذا الكتاب تتخذ صوتا مقابلا، أو حتى شخصية توجه إليها الكلام بضمير الـ(أنت)، كأن تقول: (أسمعك مزمجرا يا سيدي الرقيب، وقد اقترب قلمك من جملتي هذه، يقصد الفتك بها، فاسمعني غير مأمور).   وقد تستعمل الأسلوب القصصي لتسرد حكاية أسرة يتصارع فيها المال والثقافة، أو حكايات عن النفس الإنسانية التي يعرض لها الحب والحسد والغيرة، لا فرق في ذلك بين رجل وامرأة.. أو تسرد ذكرياتها في الجامعة التي كانت مفتوحة للمرأة الفرنسية والإنكليزية والسورية ومغلقة بوجه المصرية، وهي الجامعة المصرية!، فتذكر ما تعلمت، وما مرّ عليها من أسماء كبار الفلاسفة والأدباء كديكارت وفيكتور هيكو، لتشير إلى أهمية العلم والثقافة للمرأة.   ومن خلال التمثيل السردي، والتمثيل اللغوي الذي تستدعي فيه مخاطَبا توجه إليه كلامها، تناقش مي زيادة مشكلات المجتمع التقليدي الذي يستولي القدم فيه على الحداثة ويغيبها، وتتراجع الثقافة، ويضعف النقد والحس النقدي لصالح الإجماع العام الذي لا يتسم بأي ذكاء ولا يقود إلا إلى الانحطاط والتراجع. وهي لا تجد فرقا في ذلك الإجماع بين رجل وامرأة، فالمرأة استسلمت، كما تقول زيادة، لجرحها ولوضعها، وحرصت على أن يظل على حاله، ليوفر لها ذلك ما صارت تستمع به من شكوى تظن أنها تجلب لها الاهتمام والالتفات، وما هي بمفيدة لها، لأنها تبقي أوضاعها على حالها وتبقيها ضعيفة وغير فاعلة وتجعلها تستبدل الحركة بالكلام. والكلام لا يقود إلا إلى الكلام. أما الحركة (النسوية) فإنها تؤدي إلى تغيير واقع المرأة، مثلما تؤدي إلى تغيير شخصيتها، وتمدها بقوة تنعكس في كتاباتها التي ستخرج مختلفة شكلا، ونقدية وفعّالة مضمونا.  

مقالات أخرى للكاتب