ثقافة

صراع الأمنيات البيض والرايات السود.. قراءة في فيلم (العاصفة السوداء)

صراع الأمنيات البيض والرايات السود.. قراءة في فيلم (العاصفة السوداء)

كوثر جبارة

  كانت الاجواء هادئة أمس الأول الجمعة، الا من ضجيج التصفيق خلال حفل افتتاح النسخة الرابعة من مهرجان دهوك السينمائي، الذي تخللته كلمات لعدد من المسؤولين ورعاة الحفل، بحضور عدد من الفنانين المحليين والدوليين، قبل عرض الفيلم الكردي (ره شه با) أو (الرياح/ العاصفة السوداء) للمخرج حسين حسن، والذي قوبل من بعض الجالسين بالاعتراض، ورفع اللافتات المناهضة، الأمر الذي وجد له صدى داخل البرلمان العراقي، حين اعترضت النائب عن المكون الايزيدي فيان دخيل وطالبت بمنع العرض.   حدثت الضجة لأن الفيلم (الذي جاء من انتاج محمد اوكتاش، وبطولة كل من ريكيش شهباز وديمن زندي وميريام بوباني وعادل عبد الرحمن)، كان يبحث في قضية حساسة ومهمة، وهي مصير عدد من الناجيات الايزيديات من قبضة تنظيم داعش، وكيفية تعامل المجتمع الايزيدي معهن بعد تحريرهن وعودتهن من الأسر، الذي اعتبره بعض المتلقين بأنه يشكل اساءة.   وبعيدا عن الرؤية السياسية للفيلم، لابد من الحديث عن الرؤية الفنية للفيلم، إذ يتوازى فيه خطّا الشر والخير، ويتصارعان من بداية الفيلم حتى نهايته، حيث يعمد المخرج الى أكثر من طريقة لبيان هذا الصراع إحداها توظيف الالوان إذ يحضر اللون الأسود غالبا مع قوى الظلام ويحضر الابيض الناصع مع المظلومين والمعتدى عليهم من الايزيديين في المخيم وفي الاماكن الاخرى، فضلا عن اعتماد الصمت أكثر من الحوارات بين الممثلين، فقد لجأ كل منهم الى عكس مكنونات الشخصية من خلال ملامح الوجه ونظرات العيون التي لعبت دورا لا يمكن اغفاله في الفيلم مع قلةالاعتماد على الحوارات بينهم.   ومن اللقطات المميزة في الفيلم، اللقطة العامة التي تصور دخول السيارات السوداء في الخلفية، وفي مقدمة الناظر مقبرة تبرز فيها شواهد القبور، ويمكن ان نقرأ اللقطة من جانبين: الأول، إن هذه القوى الظلامية لا مصير لها الا الموت، والثاني، انها لا تجلب معها إلا الموت لاي ارض تحل فيها.   [caption id="attachment_30216" align="aligncenter" width="539"]لقطة لقطة من الفيلم[/caption]   أثير الكثير من الكلام حول الفيلم قبل عرضه وتعددت الاعتراضات عليه، ولكن المشاهد المتابع الحقيقي لا يجد في ذلك الا استباقا للحكم لا مبرر له، اذ مع استمرار متابعة الفيلم، نجد انه لا يمس ولو بقيد أنملة أي مكون من المكونات، سواء كانت دينية أو قومية، وأن قضية الفيلم الأساس هي كيفية التعامل مع الناجية الايزيدية (بيرو) التي ادت دورها (ديمن زندي) والتي انقذها خطيبها (ريكو) الذي لعب دوره (ريكيش شهباز)، اذ أنه بعد الهجوم الذي شنته عناصر "داعش" على شنكال وسبيَهم الفتيات الايزيديات (وعددهن كان يقترب من خمسة الاف فتاة)، يعود الخطيب (ريكو) من واجب قتال التنظيم المتطرف، ليصطدم باختفاء خطيبته، ليبدأ مغامرة البحث عنها حتى يتم العثور عليها في سوريا، ويقوم بانقاذها، عائدا بها الى المخيم، وهنا تطرح الاشكالية الكبرى للفيلم، كيف يستقبل السكان/ المجتمع هذه الفتاة؟ وكيف يتم التعامل معها ومع أهلها؟   لم يركز المخرج على رحلة البحث عن (بيرو) بقدر ما ركز على كيفية مواجهة المجتمع لمثل حالتها، إذ يعرض يطريقة موضوعية فائقة الحذر لوجهتي النظر اللتين توجدان في المجتمع المحيط بالفتاة (مجتمع المخيم) الذي هو انعكاس لمن هم خارج المخيم، فمنهم من يرى وجوب قتل الفتاة غسلا لعارها ومنهم من يتقبلها وهم الجانب الاقل، يلتقط المخرج التقاطة ذكية لما ستواجهه الفتاة عند عودتها، من خلال لقطة السيارة العائدة من كردستان سوريا الى المخيم، اذ عند دخول المخيم يعمد المخرج الى اعتماد اللقطات بزاوية مستوية أكثر من اعتماده للقطات عالية او منخفضة، وتكون اللقطات ذوات زوايا مستوية عندما يتم التصوير في اتجاه افقي من ارتفاع يماثل ارتفاع عين الانسان الاعتيادي، فتكون بمستوى الممثل سواء كان جالسا او واقفا، وتناسب هذه الزاوية من التصوير اللقطات الموضوعية، وهذا يثبت ان نظرة المخرج الى الحالة انما هي نظرة موضوعية حيادية من خلال اعتماده الاكثر على زاية النظر الموضوعية التي يرى بها المتفرجون المشاهد والاحداث كأنها من خلال عيني مراقب موجود في مواقع الاحداث دون أن يراه أحد، فهي زاوية لا تنتسب لاحد بعينه، ويظهر الممثلون كأنهم لايدركون وجود الة تصوير تلاحقهم وبالتالي لا ينظرون مباشرة الى العدسة، استطاع المخرج التعامل مع الموضوع بطريقة احترافية تنم عن موضوعية ومعالجة متميزة لما يطرحه الفيلم من قضية.   لم يعمد المخرج الى اللقطة من الزاوية العالية كي لا يعطي المتفرج نوعا من التعالي او التفوق على الممثل/ الحالة التي يؤديها اذ والحالة هذه تؤدي الى تقليل طول الممثل وبالتالي اضفاء الاحساس بضآلة الممثل/الحالة التي يجسدها وسط بيئته المحيطة، ولم يعتمد أيضا على الزاوية المخالفة واعني الزاوية المنخفضة التي تعبرعن الرهبة والاثارة والمبالغة في منظور الاجسام والتي تؤدي الىزيادة الوقع الدرامي على المشاهد، وهذا يتعارض نوعا ما مع حقيقية الاحداث التي يصورها الفيلم، اذ إن المتفرج لا يخامره ادنى شعور بان ما يراه حقيقة حاصلة يجد نفسه مندمجا فيها وليس امام عمل سينمائي خيالي لايمت للواقع بصلة، ومن ابرز اللقطات التي نراها في الفيلم، لقطة السيارة عند دخولها اذ لاتأخذ الكاميرا موقع عين الممثلة ولا تنطلق من وجهة نظرها انما ترسم علاقة واضحة بين تلك الفتاة وما ستواجهه من المجتمع المحيط، اذ تسير السيارة ومعها تراقب الكاميرا انعكاس صور الرجال والشباب والنساء الذين يمثلون سكان المخيم وبالتالي المجتمع الذي ستواجهه الفتاة عند وصولها، فبين نظرات تعاطف وانكسار واشمئزاز وعدم تقبل تعكسها كلها الكاميرا عبر زجاج السيارة الذي يتحول الى مرآة تعكس دواخل الشخصيات، وهذه ايضا من الالتفاتات الذكية للمخرج حسين حسن، فالمرآة تعكس صورة الناظر اليها في اغلب الاحوال، وهنا هو ينظر الى نفسه الكسيرة من خلال النظر الى تلك الفتاة داخل السيارة، وقد تساوره نظرة عدم رضا عن النفس أو نظرة تعاطف معها وبالتالي هو يعبر عما يراه في نفسه.    

مقالات أخرى للكاتب