رأي

بين تضحيات (كوباني) والحشد الشعبي

بين تضحيات (كوباني) والحشد الشعبي

جمال الخرسان

فيما يقدم الحشد الشعبي والأبطال من الجيش قوافل جرارة من الشهداء، ويسطرون المواقف البطولية دفاعا عن العراق كله بسنته وشيعته، فان العديد من الكتاب والساسة العراقيين ممن يتبعون توجها سياسيا وثقافيا بعينه لا يعتبرون أنفسهم معنيين أساسا بتسليط الضوء على تلك المواقف واختزال النظرة إليها فقط من زاوية سلبية، وبمقدار ما هاجموا الحشد الشعبي بمختلف تشكيلاته فإنهم استحضروا جميع قواميس الثورات والبطولات اشادة بالبطولات التي تحصل في كوباني!   من وجهة نظر هؤلاء ليس الحشد الشعبي إلا "حشد ميليشياوي" وإن طلائع النضال والثورة متواجدة في كوباني فحسب. المرأة التي تنتحر في كوباني امرأة أسطورية، والضحية هناك رفيق لجيفارا وهلم جرا. بتلك النظرة المستغرقة في الاعجاب لما يحصل في كوباني اختزل المشهد! ونسي هؤلاء أنهم يتبخترون صباح كل جمعة في أروقة المتنبي، ويسهرون الليالي في شوارع بغداد فقط بفضل تلك السواعد الناكرة للذات!   على سبيل المثال لا الحصر استيقاف ذلك التناقض الغريب في كتابات أحد الكتاب الذين يمثلون واجهة سياسية وثقافية لذلك التوجه. ففي مقالة له بعنوان "الشعب الكُردي بـ"كوباني" يقدم نموذجاً مقداماً للمقاومة البطولية والبسالة، فهل لنا مثل ذلك بالعراق؟" يكتب ما يأتي: "إن الأحزاب الكردية في جميع أجزاء كردستان تلعب اليوم دوراً مهماً في مساندة سكان كوباني ومقاتليها الشجعان، وهم أمر بالغ الأهمية... إن انتصار مقاتلي كوباني من جهة، وتصاعد مقاومة البيشمركة الكردستانية من جهة أخرى، وتصاعد دعم وتأييد الرأي العام العالمي لهذا النضال من جهة ثالثة، أدى إلى تزايد الضربات العسكرية الأمريكية وغيرها لقوات داعش وإلحاق الأذى بها من جهة رابعة، مما ساعد على إحراز نجاحات طيبة ومهمة". نظرة الكاتب تلك المستغرقة بالاعجاب المبالغ فيه لما تقدمه المجموعات المسلحة الكردية تقابلها نظرة غارقة في السوداوية لما تقدمه فصائل الحشد الشعبي في بقية انحاء العراق، حيث يكتب في مقال آخر: "الشعب العراقي كله موزع اليوم بين مواجهة الموت في محافظات الموصل وكركوك والأنبار وديالى بشكل مباشر على أيدي عصابات وأوباش داعش، وهم قتلة مجرمون من جهة، وبين القتل الجماعي على أيدي الانتحاريين والعربات المفخخة والاغتيالات والناس المقتولين المرمية جثثهم على قارعة الطريق ببغداد وكربلاء وبابل وغيرها من مدن العراق على أيدي التنظيمات الإرهابية الدموية كالقاعدة وداعش وميليشيات طائفية مسلحة من جهة أخرى، وبين القتل والتهجير والملاحقة على أيدي عصائب أهل الحق وتنظيمات مسلحة شيعية أخرى في مناطق القتال وفي أغلب المحافظات العراقية التي تتحرك تحت واجهة الحشد الشعبي وتعتبر جزءاً من هذا الحشد من جهة ثالثة"/ عن مقال "مصائب شعب عند أحزاب إسلامية سياسية حاكمة بالعراق فوائد!!!".   على غرار هذه المفارقات الغريبة العجيبة يمكن رصد الكثير من الأمثلة. فخلال الفترة الماضية وخصوصا بعد سقوط الموصل، فان مقاييس هذا النوع من الكتاب أصبحت مكشوفة ومنحازة ولم تعد قابلة للاستهلاك. لقد نفذت معظم قوالبها التسويقية، خصوصا بعد أن اختزلت شعاراتها السياسية في الدفاع عن جماعة بشرية بعينها وكل ما يرتبط بها، فيما صمتت وأغمضت عينها عما تتعرض له الأقليات الأخرى! تلك المواقف المتناقضة والغريبة تجبر المتابع على إعادة صياغة التساؤلات الجوهرية حول المواقف السياسية طيلة النصف الثاني للقرن الماضي بالنسبة للتوجه الذي ينتمي له صاحب ذلك الرأي ومن كان على شاكلته فهل كانت تلك المواقف على غرار ما نشاهده اليوم من تناقض وانتهازية سياسية صارخة؟! إن كانت المواقف على تلك الشاكلة فقد أخذت تلك الجماعة من الأهمية أكبر بكثير مما تستحق! إن الحديث عن كوباني وداعش محطة مهمة لمراجعة الموروث والتاريخ السياسي للأحزاب العراقية بتأنٍ أكبر.  

مقالات أخرى للكاتب