رأي

حول هويتنا المشوّهة

حول هويتنا المشوّهة

جمال الخرسان

 

 الوطن عبارة عن ارتباط جماعات بشرية ذات طبيعة عرقية او دينية او غير ذلك في مصير واحد، الوطن هو الشعور بالانتماء الى الارض والى القيم المشتركة التي تشكل ارضية صلبة تكون قادرة على زرع دافع قوي عند المواطن للدفاع عن كل شبر من ارض الوطن، الوطن هو الهوية المشتركة القادرة على ان تكون هي المظلة الاكبر والاهم فوق جميع الهويات الخاصة والثانوية، الوطن هو الحضن الذي يفترض به ان يحتضن جميع ابنائه من مكوناتهم المختلفة، وان تشعر جميع تلك المكونات انها منتمية الى ذلك الوطن بشكل حقيقي. عكس ذلك تماما اذا ما اصبحت المكونات الرئيسية التي تشكل الوطن متنافرة بشكل سلبي فهذا يدل على انها فقدت الارضية المشتركة للتعايش، وبالتالي نجد جميعا انفسنا بين خيارين احلاهما مر، اما الاقتتال الداخلي والعنف والارهاب او الى خيار الانفصال ومضاعفاته السلبية ايضا. وهذا ما تعيشه الحالة العراقية في الوقت الحاضر، العراق لازال بلد يعيش بهوية مشوّشة لم تحسم مكوناته امرها بشكل كامل، وتعيش حالة من الخطاب اللا متوازن الذي يدفعها مرة لتبني خيار الوحدة وان بشكلها السطحي، ومرة اخرى للتمسك بخياريات اخرى في جوهرها دعوة صارخة للتقسيم. ان مشكلة التشوهات في اسس الهوية العراقية ليست مسالة جديدة تماما، ربما العوامل الداخلية والدولية التي حصلت بعد العام 2003 اعطت جرعة اكبر لتلك المشكلة ليس الا، ومن يحاول البحث عن حلول لهذا الواقع العراقي المتردي عليه ان يبتعد عن محاولات الترقيع تلك التي لا تلغي المشكلة ولا تعد حلا جذريا لمشكلة كبيرة من هذا النوع، فالحلول تكمن فقط اذا ما توفرت ارادة عند جميع المكونات العراقية في ان تبدأ صياغة هوية عراقية لدولة حديثة بعيدة عن ظروف واجواء البدايات التي كانت تحيط بتكوين الدولة العراقية في القرن الماضي والتي كانت مبنية على اسس خاطئة، تلك البدايات لازالت تلقي بظلالها على الواقع العراقي حتى هذه اللحظة. ان استفحال الخطاب الطائفي او العرقي وظاهرة التخندقات هي اساسا متعلقة بعدم البحث الحقيقي في جذور هذه المسألة القديمة الجديدة والتي لم تطرح على طاولة البحث بشكل منطقي يتناسب مع حجمها وحجم تداعياتها واستحقاقاتها الخطيرة.

     

مقالات أخرى للكاتب