ثقافة

فيلم الرئيس.. الصورة والمعاني العميقة

فيلم الرئيس.. الصورة والمعاني العميقة

كوثر جبارة

  فيلم رزكار حسين القصير هذا يروي قصة بسيطة جدا تلفت انتباه المتفرج في بساطتها وصدقها، إذ تحضر الصورة السينمائية فضلا عن حضور السرد السينمائي المكثف والمركز للقصة، وتكمن جمالية الفيلم في بساطته، ورمزيته، فالمخرج يعالج في الفيلم كبنية سطحية قصة مجموعة من المراهقين ونزاعاتهم على امورهم الصغيرة كاللعب وساحة كرة القدم، والجدول الصغير الذي يسبحون فيه، ومن يتسلط على من، ليعبر بهذه الفكرة المصغرة الى ما بعدها وما هو اهم، فـ(حسو) الذي يأخذ دور الرئيس بعد اعتراض رفاقه على الظلم الواقع عليهم من رئيس الفريق الاخر واستغلاله لهم قرروا أن يصبح لهم رئيسا بدورهم ليستطيعوا مواجهة الخصم، وهنا يلجأون إلى لعبة لتحديد الرئيس ولو كان (حسو دين/ حسو المجنون) ويتحول هذا الرئيس على بساطته وماعرف عنه من سذاجة تقترب الى العته أو الجنون إلى دكتاتور بدوره اسوأ من الخصم الذي اختير لأجل مقارعته، فالطرف المقابل كان يستعمل للعقاب سلاحا مائيا، أما الرئيس الجديد فقد سلب اموال (شعبه) ليشتري سلاحا اقوى، ويمارس تسلطه على الجميع لينفضوا من حوله ويبقى وحيدا اخيرا.   اعتمد المخرج على طول الفيلم تصوير المشاهد في الاماكن المفتوحة، ولم نر في اللقطات أي مكان مغلق أو محدد المساحة سوى ملعب كرة القدم المحدد بالحجارة على محيطهما يبقيه أيضا في حدود الامكنة المفتوحة، فضلا عن ان اغلب اللقطات في الفيلم من النوع المتوسط (اللقطة المتوسطة) التي تضم ثلاثة ممثلين في صورة واحدة بحيث يبدو فيها جسم كل منهم ابتداء من أسفل الخصر مباشرة الى اعلى الرأس مع بضعة سنتيمترات من الفراغ فوقها(ينظر: فن التصوير السينمائي: ص67) ومع شيوع هذه اللقطات في الفيلم الا ان اللقطة تتحول عندما تحب الكاميرا ان توصل للمشاهد ردة فعل او حركة وجه أحد الممثلين فإنها تتحول الى اللقطة المتوسطة القريبة ناقلة وجه الممثل من أعلى الكتفين الى اعلى الراس ليتسنى لنا مشاهدة تفصيلات وجوههم وما تنقلها من امتعاض تجاه تصرفات الرئيس من خلال الصورة لا الكلمة؛ وفي الحوارات الثنائية بين الرئيس واي شخصية ثانية نشاهد الكاميرا تسجل الحوارات بينهما من فوق كتف أحدهما وهما متواجهان لتنقل وجهة نظرهما الى المشاهد كأنه يقف الى جانب احدهما.   14522455_877940405671259_1445455506_o   ونحن نتابع الفيلم بسيناريو ناجح نستذكر مالاحظه جون هوارد لوسون من ان الفيلم السينمائي وسيط سمعي بصري يتطلب من كاتب السيناريو أن يفكر وفق كل من الكلمة المنطوقة والصورة المرئية (ينظر: تشريح لفيلم، برنارد ف.ديك، ترجمة مصطفى محرم، القاهرة، 2015: ص259) هذا ما يتجلى بصورة ملفتة للنظر في فيلم حسين الذي سبق أن حاز على جائزة أفضل سيناريو، ففي احدى اللقطات المتميزة عندما نجد اعضاء (عصابة حسو) المتبقي منهم فقط 3 وهم يتكلمون تحت الشجرة في الوقت ذاته نجد حسو المعتوه/الرئيس يتجسس عليهم من فوق الغصن ويحاول العضو الوحيد من العصابة مراعاة ذلك فيقوم بالطلب من البقية أن يصمتوا ويتوقفوا عن الكلام عن الرئيس، وأيضا من اللقطات المتميزة في الفيلم ذات المعاني العميقة  والتي نقلت بصورة اقرب الى الكوميديا وهذا الاستعمال الذي يرى المخرج الفرنسي جان لوك أكثر مناسبة للكوميديا، تلك اللقطة البعيدة جدا التي تعرض منظر القرية من مسافة بعيدة ويتوسطها الرئيس والكاميرا ثابتة عليه في هذا الفضاء الأوسع، ليؤدي عددا من الحركات التي لا تخلو من أن تكون كوميديّةالى حد ما من خلال تعامله مع السلاح وضرب التحية العسكرية لنفسه باليد اليسرى!!   في المشهد الختامي من الفليم ينقل المخرج من خلال زاوية تصوير اللقطة بزاويتين متناقضتين الاولى المنخفضة التي تتجه فيها الكاميرا الى أعلى لتسجل اللقطة ويعمد المخرج الى اقصى حالات الانخفاظ من خلال توظي زاوية عين النملة من الأرض الى وجوه الثلاثة المحيطين بالرئيس وقوفا يُعمد اليها عادة للتعبير عن الرهبة والمبالغة بأحجام الاجسام وزيادة الوقع الدرامي للمشهد واضعا المشاهد في وضع منخفض عما يشاهده (ينظر: فن التصوير السينمائي: ص76) والثانية العالية المرتفعة التي تتجه فيها آلة التصوير الى أسفل لترى الغرض سواء أكان على الارض او على المائدة وهنا الرئيس على الارض، وتعد هذه الزاوية من أكثر الزوايا إرباكاً وتوتراً وهي من اللقطات العمودية النادرة.. إذ تسلط عدسة الكاميرا مباشرة من الأعلى على الموضوع المراد تصويره ويعدها دي جانيتيالزاوية الأكثر تشويشاً بالنسبة لكافة الزوايا، ولأننا عادة لا نشاهد الأحداث من الأعلى لذلك فإن استخدامها قليللكنها قد توظف لأداءات ذات دلالة فهي قد توحي بحصار الشخصية والضغط عليها أو وقوعها تحت سطوة القوة المضادة أو خضوعها وقهرها حين تظهر صغيرة محرجة وعاجزة (ينظر: قواعد أساسية في فن الإخراج التلفزيوني والسينمائي، د.كاظم مؤنس، عالم الكتب الحديثة، 2006:ص94)، وهذا تماما ما وظفت لأجله اللقطة في ختام الفلم لتصل بنا الى النتيجة الحتمية التي جسدت ضآلة حجم الدكتاتور قياسا بالبيئة المحيطة به وما آلت اليه تصرفاته، أرى في هذا الفيلم ليس فيلما يشاهد مرة وينسى على أنه لا يشير الا الى مايتضح فيه من خلال الصورة، بل على العكس من ذلك ارى انه يشير الى معان ابعد واعمق.  

مقالات أخرى للكاتب