رأي

عسكرة وتسييس المسمّيات

عسكرة وتسييس المسمّيات

جمال الخرسان

في منفاي القطبي أقصد العمل صباح كل يوم منطلقا في رحلتي من موقف المواصلات العامة الذي يقع في شارع "الجزيرة الكبيرة"، إلى مكان عملي في شارع تحت مسمّى "شارع القنفذ"، ثم أتحول في اليوم التالي إلى مكان عمل آخر في شارع اسمه "شارع الطاحونة"، عبر شارع يسمّى "شبه جزيرة هيرتو". اما اليوم الثالث من الاسبوع فيكون مكان عملي في شارع يسمى "شارع الارجوحة"، وقبل ان اصل الى شارع الارجوحة امر بثلاث شوارع وسمت باسم ثلاثة مشاهير في مجال العلوم والأدب! وعلى غرار هذه المسميات اللادينية، اللاعسكرية، وغير المؤدلجة هناك الكثير من المسميات التي اشاهدها يوميا على مدار ايام الاسبوع، وحتى إن وجدت بعض المسميات التي تشير لرموز عسكرية او دينية فإنها لن تتجاوز الاطار الضيق والمحدود.   في زياراتي المختلفة الى معظم المدن العراقية من الجنوب الى الشمال، وجدت ان الآية مقلوبة تماما هناك، فالأحياء، الشوارع الرئيسة، الازقة والساحات هي تكريس لذات النهج القديم، حتى وان لبست ثوبا جديدا! كم من الاحياء والشوارع العراقية تسمّى بالعسكري؟! كم من الشوارع والمدن العراقية تسمى بـ الاسكان؟! النصر؟! البعث؟! 14 رمضان؟ وكذلك كم من المسميات قديما وحديثا تنسب حصرا الى بعض اسماء رجال الدين؟! كل ذلك في واد وما كان يستحوذ عليه اسم صدام حسين بين اسماء المدن والشوارع والبنايات والقاعات وغيرها مما شابه ذلك في واد آخر!   قديما وحديثا كان ولا يزال العراق يعاني تكرار المسميات وتدويرها بين مفردات معدودة تغيّب في معظمها ملامح العراق كبلد متنوع يرتكز على ماضٍ بعيد وله متغيرات ديموغرافية وجغرافية وطبيعية كثيرة جدا.. فاضافة الى ما اشير اليه من اسماء اصبحت بغداد والعديد من مدن العراق عبارة عن لائحة لأسماء الدول العربية التي تجدها محشورة بشكل مفرط في كل شارع وساحة او تقاطع او حي سكني.   للتاريخ حصة كما يفترض لغيره من المجالات الاخرى، والتنوع ينبغي ان يكون حاضرا في اطلاق المسميات على العديد من المعالم المستحدثة او القديم منها الذي يراد له ان يستبدل. كم كنّا نتمنى ان تكون الاسماء متنوعة جميلة لا تتكرر فيها الاخطاء السابقة ولا يتم التركيز فيها باسماء أصبحت تثير الاشمئزاز.   الغريب ان بعض الاحزاب والجهات الدينية والسياسية استنكرت على الانظمة السابقة التي حكمت العراق اطلاق الاسماء على مختلف المدن والاحياء العراقية بدافع تكريس الدكتاتورية وفرض رؤية الحاكم المستبد لكنها تعيد الخطأ من جديد وتستبدل شارع صدام بشارع هذا المرجع او ذلك السياسي!   هكذا عدنا للخطأ من جديد وغيبنا التنوع المطلوب في اطلاق التسميات والذي يفترض به ان يعكس البعد الثري للتاريخ والثقافة والفن العراقي المليء بمساحات الابداع.   الاخطر مما تقدم هو ظاهرة تسهم في اذكاء الاحتقان الطائفي بين هذا المكون او ذاك، ان تتعدد المسمّيات للشارع، الزقاق، او الحي السكني الواحد، وغالبا ما تطلق كل جماعة سياسية او دينية الاسم الذي يحلو لها والذي يعكس موقفها السياسي والديني من ذلك الاسم، وما يسهم في ذلك هو غياب الموقف الرسمي الذي يفترض به ان يهتم كثيرا بهذه المشكلة التي لم تعد قضية هامشية بل دخلت فيها عوامل الفرقة والنفوذ السياسي وغير ذلك.   لقد سمعنا كثيرا عن لجان لتغيير الاسماء ولكن هذه اللجان كما هو حال مثيلاتها من اللجان الاخرى التي تشكلت وسرعان ما ذابت ولم نسمع عنها شيئا! فحتى هذه اللحظة ما زالت بعض الاسماء تطلق باشارة من هذا العضو في مجلس المحافظة او ذلك السياسي بتنسيق مع المحافظ، وكل من له نفوذ يستحوذ على الحصة الأكبر! إنها معركة النفوذ السياسي الذي يلاحق المواطن حتى بإطلاق الاسماء!  

مقالات أخرى للكاتب