رأي

75 عاما على حرب الشتاء

75 عاما على حرب الشتاء

جمال الخرسان

خلافا لتوجهات القيادي الشيوعي للثورة البلشفية "فلاديمير لينين" فإن "جوزيف ستالين" وبعد أن استتبت له الامور في الداخل الروسي بدأ يفتح ذراعيه خارج روسيا، أراد ان يبني مجدا عظيما لروسيا ولو من خلال الحروب، كان طامعا باستعادة الكثير من الدوقيات التي كانت تتبع اتحاد روسيا القيصرية ويتجاوزها من اجل ضم البلدان القريبة من الاتحاد السوفيتي، شرقا وغربا.   صراع النفوذ الذي دار بسخونة منقطعة النظير بين المعسكر الشرقي والغربي غذى دوافع ستالين ومطامعه اللامحدودة، وهذا ما دفعه لتجاوز المعاهدات الثنائية بين الاتحاد السوفيتي وبين فنلندا التي كانت لأكثر من قرن دوقية تابعة لروسيا القيصرية (1805-1917)، وكذلك تجاوز المعاهدات الدولية التي نصت على عدم الاعتداء، وتكرار المحاولة تلو الاخرى من اجل ضم كامل فنلندا تحت راية الاتحاد السوفيتي.   لقد كان لفنلندا والاتحاد السوفيتي سلسلة من المعاهدات الثنائية التي تهدف الى نزع فتيل التوتر وتجنيب فنلندا مضاعفات الغضب السوفيتي، فكانت "معاهدة تارتو" التي نصت على ان الحدود الفنلندية السوفيتية الجديدة هي الحدود القديمة بين دوقية فنلندا والإمبراطورية الروسية. كذلك في العام 1932، وقع الاتحاد السوفيتي وفنلندا اتفاق عدم اعتداء، فقد وجد ستالين في الحرب العالمية الثانية فرصة مناسبة لتنفيذ طموحاته المجنونة، وطلب من فنلندا تأجير بعض الجزر في البلطيق من اجل استخدامها واجهات دفاعية ضد المانيا، لكن فنلندا الصغيرة التي تخشى غضبة الكبار في تلك المنطقة رفضت ذلك واكدت انها دولة محايدة ليس لها ناقة ولا جمل في حرب القوى العظمى.   في ذات الفترة فان الاتحاد السوفيتي اجبر البلدان الصغيرة في منطقة البلطيق على الخضوع لنفوذه واقام فيها قواعد عسكرية، فيما قاومت فنلندا المد الشيوعي والهيمنة الاستالينية، خصوصا وان لها تجربة سيئة مع الاحتلال الروسي طيلة القرن التاسع عشر.   ذلك الرفض والاصرار الفنلندي على عدم الخضوع كان بمنزلة استفزاز بالنسبة لشخصية عسكرية على غرار ستالين. وبعد ثلاثة اشهر على بداية الحرب العالمية الثانية بدأت حرب الشتاء بهجوم روسي على الاراضي الفنلندية نهاية تشرين الثاني 1939، اثر حادثة مفتعلة وقعت حين تعرضت نقطة تفتيش حدودية روسية لاطلاق نار، وقتل في تلك الحادثة اربعة جنود.   استمرت الحرب عدة اشهر. كان ستالين يعتبر الحرب على فنلندا مجرد نزهة، ولكنها مثلت بالنسبة له مفاجأة غير سارة. لقد أفقدت تلك الحرب الاتحاد السوفيتي كثيرا من الجنود، ووظف الفنلنديون جميع امكاناتهم فيها، واستثمروا الطبيعة بشكل مثالي، وتظافرت الجهود من اجل استخدام وتطوير الاسلحة البسيطة، كما هو الحال مع قنابل "المولوتوف"، اي الزجاجات الحارقة، ذلك السلاح الذي اثبت فاعليته وكانت تتم تعبئته في مصانع الكحول الفنلندية حين كانت معطلة آنذاك بسبب الحرب، فأسهمت تلك المصانع بالتعاون مع وزارة الدفاع بتطوير نوع خاص من الزجاجات الحارقة التي سميت بعد ذلك باسم وزير الخارجية الروسي آنذاك "مولوتوف".   وضعت الحرب أوزارها في آذار 1940 بالتوقيع على "اتفاقية موسكو" التي حفظت لفنلندا استقلالها، وضمنت نفاذها من الهيمنة السوفيتية، لكن المقابل كان ثمنا باهضا، حيث اضطرت فنلندا الى التنازل عن اجزاء من اراضيها للاتحاد السوفيتي.   بشيء من الظروف المشابهة لتلك التي ادت الى نشوب حرب الشتاء الشهيرة يستذكر الفنلنديون والروس ذكريات تلك الحرب بعد مرور 75 عاما على نشوبها. قلقة جدا الجارة الغربية لروسيا على امنها من روسيا الجديدة، فالطموح الذي يحرك فلاديمير بوتين في استعادة بلاده لهيبتها كان مشابها للدوافع التي تحرك ستالين.   يتذكر الفنلنديون والروس ارهاصات تلك الحرب وعينهم على تجنب الوقوع بأخطاء الماضي. لقد أتت حرب الشتاء في سياق الصراع العالمي بين الشرق والغرب على كل شبر في تلك المنطقة. الراغبون بعودة ذلك الصراع من جديد، كما هو ملاحظ الآن، لن يفوتوا استثمار الأزمات في حدود تمتد على مسافة تقارب 1200 كيلومتر بين روسيا وجمهورية فنلندا.  

مقالات أخرى للكاتب