رأي

دع التنانين نائمة

دع التنانين نائمة

سعدون محسن ضمد

 

التركيز الاعلامي والسياسي الموجه إلى الاستفتاء على الانفصال بدأ يصل مديات مبالغ بها جداً، خاصَّة والكل يعلم بان معارضة هذا الاستفتاء والاختلاف حوله والقلق منه هو حالة كوردية داخلية تتعقَّد داخل الاقليم وبين قواه السياسية بوتيرة متصاعدة أكثر مما تفعل خارجه، ولو أن هذا الموضوع أُهْمِل بشكل تام لتحول إلى صراع داخلي معقَّد جداً، فالأحزاب الكردية جميعها خائفة من الهيمنة المتصاعدة للحزب الديمقراطي على مقاليد الحكم وسعيه المتزايد نحو فرض سيطرته على جميع مفاصل الدولة، وهذه الأحزاب تعلم بان موضوع الاستفتاء والانفصال عبارة عن بالون اعلامي يستعمله الحزب الديمقراطي للتغطية على عجزه عن حلحلة المشاكل المستعصية في الاقليم، وفي رأيي فان زيادة التركيز على هذا الموضوع يحوله إلى قضية شعبيَّة قوميَّة مصيريَّة، الأمر الذي يمنح رئاسة الاقليم ورقة رابحة بوجه خصومها في الداخل، ويمنع هؤلاء الخصوم من كشف حقيقة الاستفتاء.

 

هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن الاقليم منفصل عن بغداد بشكل كامل، ومع عدم وجود اي نفوذ لمؤسسات الدولة الاتحادية داخله، ومع عدم قدرة الجيش الاتحادي على الاقتراب من حدوده، ومع استحواذ الأحزاب الكردية على آبار نفطية في كركوك وبشكل غير قانوني ومع امتناع اربيل عن تسليم بغداد اي مطلوب يدخل اراضيها، حتى لو كان متَّهماً بالإرهاب. مع كل هذه المشاكل لا يعود هناك معنى للكلام عن دولة واحدة، ومن ثم لا يعود هناك معنى للخوف من مجرد استفتاء قد يؤدي الى تقسيم هو حاصل اصلاً.

 

وبالعودة إلى الأزمات الداخلية في الإقليم وبالتذكير بأن أزمة الرئاسة، التي كادت ان تطيح بالبرلمان، وصلت ذروتها القصوى، وأن ازمة الرواتب وعدم تقديم الحكومة لأي حلول مقنعة في الأمد المنظور تُدْخل الناس في قلق متزايد، كما أن الاتهامات الموجهة للحزب الحاكم باستحواذ سياسيين فيه على تصدير النفط لحساباتهم الخاصَّة، كل هذه المشاكل المعقَّدة تجعل حكومة الإقليم خائفة من أن تستعمل الاحزاب المعارضة مجموع هذه الازمات للتصعيد ضدها، لذلك تحركت بقوَّة اتجاه إطلاق بالون الاستفتاء ولذلك هي مصرَّة على الاستمرار بالنفخ فيه، من اجل تحويل انظار الجماهير عن الازمات التي تفتك بها.

 

اما احجام الأحزاب المعارضة عن كشف موقفها الحقيقي من الاستفتاء فناشئ من تعويلها على نجاح الضغوط الدولية في ثني السيد مسعود برزاني عن غاياته، الامر الذي يرفع عن كاهلها مواجهة هذه القضية القومية الشائكة، لكن السؤال المهم هو؛ هل سيستمر هذا الصمت الى النهاية، وهل ستقف هذه الاحزاب مكتوفة الايدي وتكتفي بمراقبة الحزب الديمقراطي وهو ينجح باستعمال ورقة الاستفتاء من اجل ادامة تفرده بالسلطة وارغامها على الاصطفاف خلفه تفاديا للوقوف بوجه الحلم الكردي بالاستقلال؟ لا اظن ذلك. وحتى مع الاخذ بنظر الاعتبار الخسائر التي منيت بها الجبهة المعارضة للحزب الديمقراطي، بسبب مرض جلال الطالباني وموت نوشيروان مصطفى، الامر الذي خلخل موازين القوى في الداخل الكردستاني، لكن مع ذلك لن تقف الأحزاب المعارضة مكتوفة الايدي، وحتى لو ارادت ان تفعل فإن المصالح الإقليمية المعرَّضة للخطر، سترغمها على التحرك بشدَّة.

 

لقد كان الوضع في الاقليم مستقراً، لأنه لم يتسبب باي صداع لأي من اللاعبين الكبار بالمنطقة، لكن ما ان يخطوا هذا الاقليم خطوته الأولى باتجاه الانفصال فسيختلف الوضع كثيراً، لأنه سيدوس على ذيل أكثر من تنين كبير، وهو الخطأ الذي وقع فيه صدام حسين سابقا وكلفه كرامته ثم حياته، وكلفنا بسببه كل هذه المصائب.

مقالات أخرى للكاتب