رأي

اللاجئون المنسيون

اللاجئون المنسيون

ترجمة : عمر الحديثي

 

يشهد شهر أيلول سبتمبر الجاري الذكرى السنوية الخامسة والثلاثون لمذبحة صبرا و شاتيلا في بيروت الغربية. إذ تم ذبح ثلاثة آلاف من اللاجئين العزل من 15-18 سبتمبر 1982. كنت حينها شاباً استقلت من عملي كشاب متدرب في تقويم العظام بمستشفى سانت توماس للانضمام إلى الفريق المسيحي اللبناني للإسعاف الطبي (كريستيان إيد ليبانون) لمساعدة الجرحى جراء غزو إسرائيل للبنان.

 

هذا الغزو، المسمى (سلام الجليل)، والذي أطلق في 6 حزيران يونيه 1982 قصف بلا رحمة لبنان جوا وبحرا وبرا. وكانت مدينة بيروت محاصرة ومحضور عنها المياه والغذاء والكهرباء والأدوية. وقد أسفر ذلك عن حالات وفيات وجرحى لا تحصى، و تشريد 100 ألف شخص أصبحوا بشكل تام دون مأوى.

 

تمت إعارتي إلى جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني لتولي مسؤولية قسم العظام في مستشفى غزة في مخيم صبرا و شاتيلا للاجئين الفلسطينيين في غرب بيروت. التقيت باللاجئين الفلسطينيين في منازلهم المقصوفة وتعلمت كيف أصبحوا لاجئين في أحد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين الـ12 في لبنان. حتى ذلك الحين لم أكن أعرف بوجود الفلسطينيين. وقد أشاروا إلى أنهم خرجوا من ديارهم في فلسطين في عام 1948، وغالبا ما هربوا من المذابح وفي النقاط المسلحة وبدون أي ممتلكات كان بإمكانهم حملها ووجدوا أنفسهم في لبنان والأردن وسوريا المجاورة. فوضعتهم الأمم المتحدة في خيام في حين وعدهم العالم بأن يعودوا إلى ديارهم قريبا. ولم يتحقق هذا الوعد أبدا. ومنذ ذلك الحين، ظل اللاجئون البالغ عددهم 750000 لاجئ، الذين يشكلون نصف سكان فلسطين في عام 1948، يعيشون في مخيمات اللاجئين في البلدان المجاورة. هذا العام هو العام التاسع والستين لمعيشتهم كلاجئين. ومنذ ذلك الحين، ارتفع العدد الأولي الذي بلغ 000 750 شخص إلى 5 ملايين نسمة. تم مسح فلسطين من خريطة العالم، وتسمى الآن (إسرائيل).

 

بعد وقت قصير من وصولي، تم إخلاء منظمة التحرير الفلسطينية. وهذا هو الثمن الذي طالبت به إسرائيل لوقف القصف المتواصل على لبنان ورفع الحصار العسكري الذي استمر عشرة أسابيع. وقد تم إجلاء أربعة عشر ألفا من الرجال والنساء القادرين جسديا من منظمة التحرير الفلسطينية بضمانات من القوى الغربية بأن أسرهم التي تركوها وراءهم ستحميهم قوة متعددة الجنسيات لحفظ السلام .

 

كان من تركوا عوائلهم المقاتلين والموظفين المدنيين والأطباء والممرضين والمحاضرين والنقابيين والصحفيين والمهندسين والفنيين. وكانت منظمة التحرير الفلسطينية هي الحكومة الفلسطينية في المنفى، و رب العمل. ومن خلال الإخلاء، فقدت أربعة عشر ألف أسرة فلسطينية معيلها، وغالبا ما كان الأب أو الأخ الأكبر، بالإضافة إلى الذين قتلوا بسبب القنابل.

 

واستمر وقف إطلاق النار ثلاثة أسابيع فقط. ثم انسحبت قوة حفظ السلام المتعددة الجنسيات، التي عهد إليها اتفاق وقف إطلاق النار بحماية المدنيين الذين تركوهم وراءهم. وفي 15 أيلول سبتمبر، دخلت  مئات من الدبابات الإسرائيلية إلى بيروت الغربية ، وقام بعضها بإحكام إغلاق صبرا وشاتيلا لمنع السكان من الفرار. أرسل الإسرائيليون حلفائهم مجموعة من الميليشيات المسيحية المدربين والمسلحين من قبلهم الى داخل المخيم.

 

وعندما انسحبت الدبابات من محيط المخيم في 18 أيلول سبتمبر، خلفت 000 3 قتيل مدني ، كما تم اختطاف سبعة عشر ألفا آخرين واختفى أثرهم.

 

أمر فريق المستشفى الذي عمل بدون توقف لمدة 72 ساعة بترك مرضانا والمغادرة عند نقطة الرشاش، وخرجوا من المخيم. أما أنا فخرجت من غرفة العمليات (القبو)، وعلمت بالحقيقة المؤلمة . بينما كنا نكافح من أجل إنقاذ بضعة عشرات من الأرواح، كان الناس يذبحون بالآلاف، و بعض الجثث كانت تتعفن بفعل شمس بيروت الساخنة. صور المجزرة كانت محزنة بعمق في ذاكرتي بما احتوت من جثث القتلى والجثث المشوهة في أزقة المخيم. هؤلاء الذين كانوا قبل أيام قليلة بشرا مليئين بالأمل والحياة، يعيدون بناء ديارهم ويتحدثون معي، ويثقون بأنهم سيتركون في سلام لتربية صغارهم بعد إجلاء منظمة التحرير الفلسطينية، وكانوا يرحبون بي في منازلهم المدمرة ويقدمون لي القهوة العربية وما كانوا يجدون من الطعام، والخدمات البسيطة، وبدفءٍ وكرم، شاركوا معي حياتهم المكسورة، أظهروا لي صوراً لمنازلهم وأسرهم في فلسطين قبل عام 1948، والمفاتيح الكبيرة لبيوتهم والتي حملوها معهم ولم يبقوها في الديار. شاركت النساء معي تطريزها الجميل، ولكل منها زخارف القرى التي تركتها وراءها. وقد دمرت العديد من هذه القرى بعد مغادرتها. أصبح من الصعب إنقاذ بعض المرضى وفشلنا في إنقاذهم، وتوفي آخرون عند الوصول. تركوا الأيتام والأرامل. ودعت أم جريحة تنازلت عن آخر وحدة دم في المستشفى منها لإعطائها لطفلها، ثم توفيت بعد ذلك بوقت قصير. وشهد الأطفال تعرض أمهاتهم وأخواتهم للاغتصاب والقتل. والوجوه المروَّعة للأسر التي اقتحمها مسلحون كانت في انتظار الموت؛ الأم الشابة اليائسة التي حاولت أن تعطيني طفلها لأخذة إلى السلامة في مكانٍ أمن؛ كانت رائحة الأجساد المتحللة كمقابر جماعية والتي كشفت للتو لن تسمح لي أبدا بفعل شئ من ذلك. إن صرخات النساء اللواتي اكتشفن بقايا أحبائهن من قطع الملابس، وبطاقات هويات اللاجئين، كما كانت هناك كثره الجثث تلاحقني.

 

وعاد شعب صبرا شاتيلا للعيش في تلك المنازل ذاتها حيث قتلت أسرهم وجيرانهم. إنهم شعب شجاع ولم يكن هناك مكان آخر يذهبون إليه. ومنذ ذلك الحين، كانت مخيمات اللاجئين الأخرى محاصرة ومهاجمة ويقتل فيها الناس. واليوم، يحرم اللاجئون الفلسطينيون من تصاريح عمل في 30 مهنة و 40 حرفة  خارج مخيماتهم ، ليس لديهم جوازات سفر ، ويحظر عليهم امتلاك الممتلكات و وراثتها. إضافةً لحرمانهم من حق العودة إلى ديارهم في فلسطين ، وهم لا يولدون لاجئين فحسب، بل سيموتون أيضا اللاجئين ، ومن ثم  أطفالهم ايضاً. ولكن بالنسبة لي، يجب أن أجد الإجابة على هذه الأسئلة المؤلمة ، ليس لماذا ماتوا، ولكن لماذا ذبحوا كلاجئين ؟ بعد 69 عاما، هل نسي العالم ؟ كيف يمكننا أن نسمح بالحالة التي يكون فيها الادعاء الوحيد للإنسانية هو بطاقة هوية لاجئ؟ هذه الأسئلة تسكنني منذ التقيت بهم ، ولم أحصل بعد على إجابة.

 

 

من كتاب: من بيروت إلى القدس للدكتور سوي تشاي أنغ، استشاري جراحة العظام مؤسس المعونة الطبية للفلسطينيين