رأي

لا إصلاح ولا ثورة؟!

لا إصلاح ولا ثورة؟!

رعد أطياف

 

 

 

تتعرض المنطقة العربية إلى أعنف هزّة منذ اتفاقية سايكس بيكو الاستعمارية. إذ لم يبقَ لمفهوم "الإصلاح" و"الثورة" مضمون صالح يمكن الاهتداء إليه بعد أن أصبحت القوى الاستعمارية راعية للمفاهيم!، وحلّت الشركات والإمبراطوريات الإعلامية واللوبيات محلّ المفكر المبدع للمفاهيم، وأضحت الأرض العربية كظاهرة هامشية خارج فلك التاريخ كما يريد لها المستعمر أرضاً خصبة لمعادلات مفاهيمية مقلوبة؛ الديمقراطية توافقية، الدستور طائفي، الإصلاح هو الأنسب والثورة ضمن مقياس السي آي أيه.

 

ما يشهده العراق خراب واسع من ألفه إلى ياءه ابتداء بدستور المحاصصة  الذي ينطح بعضه بعضاً، ونهاية بجوقة الخضراء المحكومة بالقرار الإقليمي والأمريكي، التي هي في أحسن حالتها ليست سوى كومة من السرّاق والأميين.

 

وما يجري على العراق يجري عل باقي الدول العربية بالتقسيط المريح، خصوصاً عملية التهديم المستمر لسوريا التي تحوّلت معظم محافظاتها إلى أطلال ومصر من مرسيّها إلى سيسيّها مستمرة وبنجاح للسقوط في نفقها المظلم. ولا زالت مقولة  "فرّق تسد" سارية المفعول، وهذا الثمن المدفوع لقاء انحسار الثقافة القومية بمعناها الطبيعي لا القومية بمعناها الشوفيني.

 

كلا المفهومين (الإصلاح والثورة) يخضعان لمعيار القرار الأمريكي والدول الإقليمية، وكلا القرارين يمارسان نفوذهما كلٌ حسب فريقه وجهاته النافذة، وبالطبع يشكل القرار الأمريكي تفوقاً ملحوظا على نظيره الإقليمي كما هو واضح.

 

إن أي محاولة لتغيير موازين اللعبة من الداخل ستكون نتائجها كارثية وتحمل بذور فشلها، وستبدي جوقة الخضراء مقاومة عنيفة تجاه التغيير. وليس من الصعب تفتيت العراق، كما ليس صعباّ كذلك في سوريا ومصر، مادامت هذه الثلاثة منظورا أليها كدوائر قطرية مختلفة.

 

ولكي لا نقع في مغالطة، ينبغي التوضيح إن عدم قبول الحاكم الأمريكي بالثورة، نعني بها الثورة الوطنية التي تخالف التقليعة السائدة التي روّج لها بحماس منظرو "ثورة الربيع العربي". ذلك إن هذه "الثورات" هي أقرب لما نسميه عندنا بـ"ركضة طويريج" منها إلى الثورات التي تطال المفاهيم السائدة وقلبها بشكلٍ جذري الذي يصاحبها تغيير تدريجي للظروف الاجتماعية.

 

على أية حال لا فرق بين الحالتين فالثورة الوطنية سيتم تطويقها سريعاً في منطقتنا، وستأكل هذه الثورة أبناءها ليعتلي على عرش القمّة دكتاتور جديد يحظى بكل صنوف المديح والثناء من قبل سيده الديمقراطي، ومن ثمّ لابأس بالانقلاب عليه باسم الديمقراطية إن تطلّبت الحاجة "البراغماتية" لذلك.

 

الحل الواقعي في مثل هذه المعادلة الصعبة هو تعميق ثقافة الكونفدرالية العربية التي يكتمل بها مفهوم الأمن القومي العربي، ومن دونه تتحول الدول العربية إلى مجرّد جغرافيات قطرية تتنازعها الحروب الطائفية.

 

وبالطبع لاينبغي التعويل كثيراً على الذاكرة القومية الشوفينية من هذه الناحية، ذلك إن هذه الأخيرة اختارت الدمج القسري للأقليات الدينية والمذهبية والعرقية في صندوق واحد، واتخذت من هذه القومية المستوردة منطلقاٌ لإرضاء نزعتها الشوفينية.

 

الوحدة الكونفدرالية هنا لا تعدو إن تكون جامعاً قوامه اللغة والثقافة المشتركة، فإن غابت اللغة حضرت الثقافة بمعناها الواسع؛ فما يجمع الامازيغي والعربي ليس اللغة بكل تأكيد، إنما تلك الثقافة المتأصلة التي جمعتهما جنباً إلى جنب، وهكذا تسري المقارنة على كل الأقليات  الاخرى.

 

فمن هذه الناحية تغدو وحدة قومية تراعي التنوّع وليست وحدة قسر؛ إنها وحدة وجود بلحاظ التنوّع، وليست وحدة موجود بلحاظ القسر بحسب تعبير هادي العلوي.

 

تبدو عملية ترسيخ فكرة الكونفدرالية طويلة الأمد وتحتاج إلى عمل شاق للغاية ووعي شعبي بهذا المطلب الضخم والمرهق!، إلّا أن ما يدعو إلى عدم الاستسلام هو التجربة الأوربية التي نعاصرها الآن، حيث استطاعت تلك الدول المتناحرة سياسيا والمتنافرة لغويا أن تجتمع على مصالحها الاقتصادية، فلماذا لا يبادر العرب لمثل هذه الوثبة ؟! خصوصاً أن عوامل التقائهم كثيرة مقارنة بالدول الاوربية.

 

 لن نتكلم هنا عن التحدي الذي سيواجه هذا المشروع فنحن نتكلم في داخل التاريخ وصراعاته لا عن خارجه بكل تأكيد!، والحياة، في نهاية المطاف، "تحدي واستجابة" ولا تصنعها النماذج المثالية.

مقالات أخرى للكاتب