رأي

التطرف الاخطبوطي في الثقافة العربية

التطرف الاخطبوطي في الثقافة العربية

د. خليل الناجي

 

شاع استعمال كلمة التطرف مؤخرا في الدين او المذهب، حتى صرنا نألف عبارة (التطرف الديني او المذهبي)، تلك العبارة التي تحولت الى ظاهرة خطيرة وتسببت بإراقة الدماء والتهجير والاغتصاب والتشريد والسبي والاسترقاق وغيرها من الجرائم البشعة، والممارسات البالية التي اندثرت منذ زمن بعيد .. والغريب في الأمر أننا نقرأ في موروثنا الإسلامي وباتفاق مذاهب المسلمين ان محاربة تلك المفاهيم الجاهلية كان احد اهم أهداف الدعوة الإسلامية التي جاء بها نبي الإسلام محمد صلى الله عليه واله وسلم، ويستدلون على ذلك بعدد من التشريعات التي عالجتها تدريجيا، ليأتي بعد اكثر من ألف وأربعمائة عام جهلة القرن الحادي والعشرين لتجديدها باسم الإسلام!

 

وبدلا من مواجهة تلك الظاهرة الخطيرة والقضاء عليها أصبحنا نجدها مقترنة بمفاهيم اخرى غير (الدين والمذهب)؛ فأصبحنا نجد تطرفا سياسيا وقوميا واقتصاديا وأدبيا وفلسفيا، ولغويا، والقائمة تطول والأمثلة على ذلك كثيرة، ولعل ما نعيشه اليوم من أزمات حادة في مختلف الاتجاهات تمثل انعكاسا لتلك الظاهرة الاخطبوطية الخطيرة؛ فبسبب التطرف السياسي نجد أن العمل السياسي مربك ومعقد، وبسبب التطرف القومي نجد أن كل قومية تعمل على تعزيز نفوذها على حساب القوميات الأخرى، وبسبب التطرف الاقتصادي عجزت بلداننا عن تلبية متطلبات العيش الكريم لمواطنيها، وبسبب التطرف الأدبي صرنا نشهد تنافسا غير مقبول بين المدارس الادبية، والقائمة تطول والمشكلات تتراكم.

 

ولعل معترضا يعترض على هذا الطرح ويقول ان الاختلاف ظاهرة صحية يمكن أن تحدث تحولات إيجابية للصالح العام.. نعم اتفق معه إلى حد ما في هذا الاعتراض الا انني اعتقد ان الاختلافات ظاهرة صحية فيما لو استطعنا أن نحد من امكانية تحولها إلى خلافات عقيمة وعديمة الجدوى، وهو ما نلمسه بوضوح في تمسك كل طرف برأيه واعتبار الآراء الأخرى لاغية عبثية.

 

الاختلاف الصحي الذي ننشده هو المبني على قاعدة "رأيي صواب يحتمل الخطأ وراي غيري خطأ يحتمل الصواب"، أما المبني على إغلاق مساحة الحوار وتقبل الرأي المخالف فهو خطر داهم ينذر باتساع الهوة بين المختلفين وبالتالي يمكن أن يؤسس لمرحلة اكثر تعقيد كما هو حال التطرف الديني الذي بدأ صغيرا ونما ليتحول الى أداة لتبرير اعظم الجرائم واكثرها بشاعة في تاريخ الإنسانية.

 

والمؤسف في الأمر أن كل دول العالم عندما تواجه مشكلة تلجأ إلى ذوي الاختصاص فيها ليرشدوا صانع القرار إلى الآليات المناسبة لتجاوز تلك المشكلة، اما في بلداننا نجد أن المشكلة تزداد تعقيدا عندما تطرح على المتخصصين بسبب انقسامهم الحاد وتمسك كل منهم برأيه، واذا ما اتخذ صانع القرار خطوة مخالفة بدأوا بتأجيج الرأي العام واستغلوا منصات التواصل الاجتماعي لإظهار مساوئ الإجراء المخالف لقناعاتهم؛ ضاربين آراء الآخرين بعرض الحائط.

 

ومن ذلك يتضح حجم المشكلة التي تعاني منها بلداننا وشعوبنا التي تفرقت وأصبحت تعيش في تيه رهيب.. فهل من منقذ يا ترى؟

 

د. خليل الناجي

مقالات أخرى للكاتب