قانون الأحوال الشخصية.. من دولة المواطنة إلى دولة المكونات

تاريخ النشر : 2017-11-09 00:00:00 أخر تحديث : 2017-11-19 21:30:00

قانون الأحوال الشخصية.. من دولة المواطنة إلى دولة المكونات

طَرَحَ منذ أيام السيد النائب حامد الخضري، أحد أعضاء كتلة المواطن في مجلس النواب، مشروعَ تعديلِ قانونِ الأحوال الشخصية في العراق المرقم ب 188 لعام 1959 المعدل، وقد أشعل هذا المشروع - ولازال - نقاشا مستفيضا حول دوافع تقديمه في هذا الوقت تحديدا؟! فذهب البعض إلى اعتباره محاولة لتحفيز المشاعر الطائفية المتشددة من أجل أغراض انتخابية، في حين رأى آخرون في تشريعه تناقضا صريحا مع قيم الحرية والمواطنة، وانتهاكا واضحا لحقوق المرأة والطفولة، وتفتيتا لسيادة الدولة ووحدة قانونها الوطني العام.

 

لقد عبرت شخصيا عن بعض آرائي في الموضوع في بعض المحافل العلمية، ولكنَّ جمعا من الأصدقاء اقترحوا علي جمع تلك الآراء والتحليلات في مقال مستقل عسى أن ينفع - مع مقالات يكتبها آخرون - المعنيين بصياغة هذا القانون، سواء بالعدول عنه أو تصحيحه من خلال أخذ التنبيهات التي نذكرها بنظر الاعتبار.

 

لم يذكر أصحاب مشروع التعديل مؤاخذاتهم على القانون القديم، وإنما اكتفوا بذكر مبررات تعديلهم الجديد المقترح، وهي بحسب ما جاء في فقرة "الأسباب الموجبة" في المشروع المقترح تتمحور حول مادتين من الدستور. وفيما يأتي نص عبارة مشروع التعديل: (انسجاماً مع ما أقرته المادة (2) من الدستور أنه لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام، وما أقرته المادة (41) من ضمان حرية الأفراد في الالتزام بأحوالهم الشخصية حسب دياناتهم أو مذاهبهم أو معتقداتهم أو اختياراتهم، وللحفاظ على المحاكم كجهة قضائية موحدة لتطبيق الأحكام الشرعية للأحوال الشخصية بعد الرجوع إلى الجهة ذات الاختصاص، شرع هذا القانون).

 

تضمن مشروع التعديل (10) عشر موادٍ، ثمانٍ منها تقع في صلب التعديل، والمادتان الباقيتان أحداهما تتناول الأحكام المعارضة له، والأخرى تحدد آليات تنفيذ العمل به بعد نشره في الجريدة الرسمية.

 

كيف يمكن أن نحدد الموقف المناسب من هذا المشروع المقترح؟ يبدو لي أن هذا السؤال البديهي سؤالاً إشكالياً!! فقد أفرزت الساحة العراقية عدة مستويات من المواقف، بعضها مؤيد وداعم، وآخر معارض وناقد، مع تنوع في مستويات التأييد والمعارضة، بين رجال الدين والصحفيين وناشطي المجتمع المدني والإعلاميين ومحللي السياسات ونقاد الثقافة ومدافعي حقوق الإنسان. سأحاول في هذا المقال اقتراح مقاربة أخرى للموضوع من داخل الثقافة الدينية، على العكس من المواقف النقدية التي تموضع نفسها بالضد من كل ما هو على علاقة بالدِّين والإيمان، وسأضع مقاربتي في جانبين: جانب تحليلي عام يتناول ما أراه وثيق الصِّلة بأسس الأزمة في عموم الخطابات الدينية المعاصرة. وجانب آخر فقهي تطبيقي يمثل مراجعات نقدية لفهم تلك الخطابات وإعادة تأويلها الحديث في سياق مشروع التعديل.

 

المقاربة التأسيسية العامة

 

لماذا تصر الغالبية العظمى من المسلمين على إضفاء طابع ديني على قضايا تتعاطى معها مجتمعات أخرى على أنها جزء من العلاقات البشرية الدنيوية المستغنية عن أي حضور ديني؟ العلاقة الزوجية مثلا هي - في أبسط تعريف - توافق شخصي بين رجل وأمرأة تهدف إلى إقامة شراكة في العيش، وقد تتضمن إنجابا للأطفال، هي في نظر بعض المجتمعات تعبير عن "إرادةٍ حرةٍ" تقوم على الشغف بالآخر والتوافق معه يطويان على التزام جدي بكل ما ينتج عن هذه العلاقة أخلاقيا وقانونيا. ولأنها في العمق بهذا الشكل فإن التفاصيل الأخرى من عقد بصيغة لفظية خاصة أو مهر معين أو غير ذلك تعد أمورا ثانوية، ناهيك عن الحاجة إلى إضفاء الطابع الديني عليها من أجل الشرعية. السفّاح في هذا التصور لا يقرن بالصيغ والمهور بقدر ما تعكسه تلك الإرادة الحرة التي تحدثنا عنها وهي لوحدها تكفي لمنح العلاقة "الشرعية" المطلوبة والتي تميزها عن العلاقات الأخرى التي لا تتضمن الالتزام المذكور.

 

الأمر يختلف مع التشريعات المتوارثة في الفقه الإسلامي، حيث تؤكد هذه التشريعات على ضرورة أن تكون العلاقة الزوجية ذات صيغة "شرعية" خاصة وبشروط معينة، بدونها - وهذا هو الجزء الأهم الذي نود التركيز عليه - تتحول العلاقة إلى "سفاح" محرم.

 

السؤال هنا هو: لماذا يرى الإنسان المسلم، طبقا لفقهه التشريعي الموروث، أن هذه العلاقة، بل وأغلب المعاملات الأخرى، بحاجة إلى صيغ ذات غطاء ديني حتى تصبح شرعية ومسموحا بها؟

 

لقد تحدث ماكس فيبر عن "الدنيوة"، عن نظرة العقلية الحديثة وهي تنزع السحر عن هذا العالم، أي فهم أحداثه كنتائج لأسباب وعلل مادية لا علاقة لها ب"إرادة الكائن الأعلى" الذي اسمه "الله". ولكن هذا في مجال تفسير أحداث العالم وعلاقاته وما يجري فيه، ولكن ماذا عن القضايا "القيمية" التشريعية؟ كيف ينظر لها الإنسان الحديث؟ وما حجم اختلافها عن النظرة المتوارثة في التشريعات القديمة بما فيها تشريعات الإنسان المسلم الفقهية؟

 

الجواب عن هذا السؤال يحل كثيرا من الإشكاليات التشريعية التي يحتار الفقيه المسلم المعاصر في مواءمتها مع حاجات مجتمعه المعاصر. سأقدم هنا تصورا موجزاً لما أره الأساس المفاهيمي الذي تقوم عليه فلسفة التشريعات الدينية، وهذا الأساس يمتد ليشمل ليس فقط التشريعات الإسلامية، وإنما جميع التشريعات في العالم القديم.

 

بنحو موجز أرى أن العالم القديم يتمحور على الكائن المطلق الذي تسميه الديانات ب"الله"، وأن هذا الكائن المركزي هو من يرسم العلاقات بين البشر، وهو من يضفي عليها، وبنحو حصري، الشرعية. والأصل المشترك بين جميع البشر هو أنهم يتعاقدون ويتعاهدون باسم الله لا غير (كمثال على ذلك يمكن التذكير بالجزء الثاني من المقولة الشهيرة: البينة على من ادعى واليمين على من أنكر)، وتكون وظيفة كل طرف من المتعاقدين أن يتأكد مما قصده الآخر بالعقد، فما عُقد باسم الله، الذي جعلوه عليهم كفيلا وضامنا، يكون شرعيا، وما فقد ذلك يكون مدنسا وباطلا. وما تختلف فيه هذه النظرة عن نظرة الأزمنة الحديثة أن الأخيرة تجعل من التعاقد شأنا بشريا، تعصبه برأس الإنسان وإرادته فقط، وتحاكمه لا على أساس "الكفالة الإلهية" بل على أساس التعاهد البشري نفسه بالشفافية والثقة والمصداقية واحترام القانون الذي هو أيضا إرادة بشرية جمعية. ما فعلته هذه الأزمنة الحديثة هو "دنيوة" العلاقات الاجتماعية نفسها بعد أن "دنيوت" علاقات أحداثه ووقائعه ومجرياته المادية، وكانت صيغة الدنيوة الاجتماعية في بناء تلك العلاقات البشرية على أسس الالتزام البشري وآلياته ومجرياته دون الحاجة إلى افتراض إله يمنح تلك العلاقات مباركته وشرعيته.

 

إن دنيوة العلاقات الاجتماعية وتعاملاتها مع أنها تعد التحدي الأكبر أمام المشرع المسلم إلا أن من الممكن تخيلها بصيغة وسطية لا تدفع الإنسان المسلم المتدين إلى أن يتخلى بالكامل عن تضمين الله في معاملاته، وذلك إذا ما توصلنا إلى مقترح تتساكن فيه أكثر من فلسفة للتشريع، فللمؤمن أن يعيش تقواه وفق قناعاته ونيته وهو يأدي تلك المعاملات، ولكن يكون عليه حينها أن يتعاطى مع الموضوع كخيار روحي وأخلاقي خاص يمثل مستوى من التفكير أكثر منه طعنا في شرعية معاملات غيره وقناعاته.

 

المقاربة الفقهية التطبيقية

 

إن العمل بالمقترح الأخير بما يتضمن من دعوة لتساكن أكثر من فلسفة للتشريع في ذهن المشرع المسلم وفِي ثقافة وسلوك المسلمين القيميَّين يتطلب وقتا طويلا، ولا يمكن الانتظار حتى يأتي هذا الوقت الذي لا نعرف أساسا متى سيأتي! وحيث إن أمامنا قانونا جديدا يتطلب فحصا دقيقا ومتأنيا فإنني سأكتفي هنا بذكر عدد من الملاحظات التي أجد أنها تحملنا على إعادة النظر في هذا التعديل. وفيما يأتي بيان تلك الملاحظات:

 

الملاحظة الأولى: ورد في مشروع التعديل العبارة الآتية: (ليس للزوجة حق الاعتراض على ذلك ما لم تضرر به). لم يحدد المشروع التعديل حجم الضرر ونوعه ولا آلية إثباته.

 

الملاحظة الثانية: نص المشروع على اعتماء إجابات المجالس العلمية في الوقفين السني والشيعي وفقا للأحكام "المشهورة". ومحل الإشكال في هذه الفقرة من جانبين:

الأول: أننا لا نعرف شيئا عن تلك المجالس العلمية هل هي موجودة فعلا أو لا؟!  ولا شروط الدخول فيها ولا كيفية اختيارها ولا موقعها من المؤسسة القضائية! بل إنها ستكون مؤسسة موازية للمؤسسة القضائية وأعلى كعبا منها!

 

والثاني: أي مشهور يقصد صاحب المشروع؟ إذ المشهورات الفقهية محل خلاف بين المتقدمين والمتأخرين، بل يوجد في كل مرحلة من مراحل تطور الفقه الإسلامي مشهور ما!! فعلى أيها يتم الاعتماد، المشهور القديم أو الحديث، وفِي أي مرحلة؟ لقد أوضح قانون 188 (الذي يأتي هذا المشروع لتعديله) الأسباب الموجبة لتشريعه بطريقة أكثر علمية لأنه تحدث عن فكرة (الملاءمة للمصلحة الزمنية) وكان همه تشريع قانون واحد (يجمع من أقوال الفقهاء ما هو المتفق عليه) بالنحو الذي يسهم في استقرار العائلة ويضمن حقوق الفرد ويمنح القضاء سلطته مقابل المحاكم الشرعية المتنوعة التي يستند كل واحد منها إلى مدونته القانونية الخاصة. وهذا التفكير يهتم بالدولة وقضائها والإسرة وجميع أفراد المجتمع على عكس مشروع التعديل الذي يكاد يقوم على نقيض أهداف المشروع القديم ولا سيما في إعادته الاعتبار إلى فكرة المشهور التي تخلو من الضبط والدقة.

 

الملاحظة الثالثة: وردت الإشارة إلى فكرة "المرجع الأعلى" كمقترح علاجي ثالث يتم الرجوع إليه؛ وهنا يجب التنبيه إلى عدة أمور:

أولا: فكرة المرجع الأعلى حديثة جدا؛ ولم يتم اعتمادها وانتشارها الا في أواسط القرن العشرين وبجهود مجموعة من رجال النجف أمثال محمد مهدي شمس الدين ومحمد حسين فضل الله وأمثالهما.

 

وثانيا: ليس الجميع يُؤْمِن بفكرة وجود "مرجع أعلى"، وفِي أحيان كثيرة تتساوى مرجعيات الفقهاء وانتشارها بدون تفاضل.

 

الملاحظة الرابعة: أن فكرة "ثوابت الإسلام" التي انطلق منها صاحب هذا المشروع محل خلاف واسع بين المسلمين والفقهاء، إذ هناك خلاف في معناها ومواردها وتطبيقاتها. وعليه فإن هذه "الثوابت" لا تمثل أكثر من بحث "اجتهادي" وليست "معطيات" ناطحة يمكنها أن تحسم الخلاف والنزاع.

الملاحظة الخامسة: كان حريا بمقدم المشروع أن يُبين ما يريد في مواد قانونية واضحة ومختصرة وبينة حتى يمكن إبداء الرأي فيها ومناقشتها لا أن يترك الأمر عائما ومعلقا على المجالس العلمية في الوقفين ومن أسماهم بخبراء الفقه الإسلامي. علما أن المشروع يركز على المسلمين فقط، فماذا عن غير المسلمين؟!

الملاحظة السادسة: هذا المشروع (وبصيغته هذه) يأخذ فكرة "المكونات" التي كانت واحدة من ركائز خراب الدولة العراقية في نظامها السياسي إلى مجال أعمق هو مجال التشريع والقضاء.

 

الملاحظة السابعة: أن العقدة في مسألة الطلاق في موضوعين:

 

- موضوع التفريق وموجباته ودور الحاكم الشرعي فيه.

 

- وموضوع وجود شاهدين عند الطلاق.

 

وفي رأيي أن حل هذين الموضوعين سهل مع النظر في عدم خصوصية قيد "الحاكم الشرعي" و"الشاهدين" في الطلاق، فإن المتأمل في النصوص الدينية يلاحظ أن التعامل مع هذين الموضوعين يقوم على أسس عرفية، أي أن البعد العرفي في معاملات العقود كالزواج وفِي الإيقاعات كالطلاق يلغي اعتبار الخصوصية لموضوع الحاكم الشرعي بأكثر من اعتباره جهة قضائية تنظيمية، لا جهة شرعية دينية، لذا فإذا تم الاتفاق داخل المحكمة وامام قاض مخول فإن العقد يكون شرعيا، كما أن موجبات التفريق تكون سارية المفعول إذا تحقق من وجودها القاضي وحكم بالتفريق بمقتضاها.

 

وبعبارة أخرى فإن أغلب مسائل الأحوال الشخصية لا تنطوي على نكتة عبادية، بل هي ذات مرجعية عرفية تنظيمية؛ ومع إلغاء الخصوصية في بعض الأحكام، وتنقيح المناط في بعضها الآخر، والحكم بتاريخانية البعض الثالث منها، يمكن تشكيل مدونة فقهية معاصرة أكثر ملاءمة لحاجات الإنسان المسلم المتدين، ويمكنها أيضا أن تحضى بمقبولية على نطاق أوسع من المواطنين الباقين. وبخصوص مسألة اشتراط "الحاكم الشرعي" في طلاق من فقدت أو غاب عنها زوجها، ومسألة "حضور الشاهدين العدلين" في التطليق أو التفريق عامة، فإن ملاحظة لسان الخطابات الدينية ينزع عن هذين الشرطين صفة التعبد ويجعل منهما شرطين عرفيين، فلا أهمية للحاكم الشرعي بوصفه رجل دين أو ممثلا للشريعة وإنما الأهمية له بوصفه حاكما وقاضيا مدنيا تنظيما يمثل جهة لها سلطة في الوسط الاجتماعي. كما أن شرط حضور الشاهدين إنما هو لجهة إثباتية توثيقية ولا خصوصية لهمها بذاتهما أكثر من ذلك، ومع وجود سلطات حكومية رسمية مخولة ولديها القدرة على الاثبات والتوثيق تنعدم الحاجة للشاهدين. وقد عبرت عن ذلك كله بإلغاء الخصوصية في فهم ظواهر الخطابات الدينية من خلال فهم سياقاتها الاجتماعية والثقافية والتنظيمية لعصر النص.

 

ولا يعترض بالنصوص الشيعية في موضوع النهي عن التحاكم لغير من جعله الإمام حَكَما لأنها نصوص تاريخية أجنبية عن محل البحث، ولا موضوعية لها.

 

الملاحظة الثامنة: يحيل مشروع التعديل الى المجالس العلمية والمشهور والمرجع الأعلى، ولكننا نعلم أن الفقه الشيعي المعاصر يذهب إلى أن موضوع التقليد يُترك للمكلف، كما لا يجيز تقليد الميت ابتداء، وعليه يكون الحكم الشرعي لكل مكلف يتعلق بمرجع تقليده ولا يمكن للمجالس العلمية أن تفتيه بالمشهور حتى ولو خالفت الفتوى اجتهاد مرجعه، ولو أجزنا ذلك فإنه يفضي إلى تقليد الميت ابتداء فيما لو تعارض الرأي المشهور الموروث مع مجتهده الحي.

 

الملاحظة التاسعة: بالحديث عن عمر تسع سنوات قمرية في جواز الزواج يقع الفهم الفقهي التقليدي في قياس آخر يمكن الطعن فيه ومناقشته. إذ الفهم القديم يساوق بين موضوعين أحدهما عبادي وآخر عرفي معاملاتي. فالصلاة عبادة يمكن قبول أن النص الديني يوجبها للفتاة في سن التاسعة، أما في موضوع الزواج فإن المسألة مرتبط بوعي وعقلٍ واستعدادٍ نفسي وجسدي وثقافي لقبول الزواج يتناسب مع القيم السائدة والثقافة الاجتماعية المنتشرة بين الناس في كل عصر. ولا يمكن قياس سن التزويج على سن الصلاة واعتماد عمر واحد هو إكمال التسع سنوات قمرية. ولا يمكن اعتبار السنوات التسع كمعيار خارج الفضاء الثقافي لعصر النص الذي سمح بذلك، لأنه يعد خرقا للارتكاز العرفي الذي يقوم عليه ذات النص.

 

وهذه مقاربة سيالة في عموم مسائل فقه المرأة الموروث.

 

الملاحظة العاشرة: يمكن تلخيص موقف الفقه الإسلامي القديم من بعض مسائل الزواج في ثلاثة أمور: عقد القِران الشرعي، الاستمتاع مع الزوجة بغير إدخال، الاستمتاع معه. وقد اشترط الفقهاء في الأخير إكمال التسعة أعوام قمرية. أما في الأول والثاني فلم يشترطوا ذلك؛ ولذا أجازوا عقد القِران على من هي دون التاسعة (حتى ولو كانت رضيعة)، وانصب خلافهم على آثار "عدم التمكين" (أي الوطء)، مع اعترافهم أن ذلك وإن كان ممتنعا في الرضيعة ولكن باقي "الاستمتاعات" ممكنة؟! وحتى من منع الاستمتاع بها فإن كلامه نابع من تقييمه للموضوع (أي اعتقاده بعدم امكان الاستمتاع بها عمليا)؛ ولذا قيل: منافع البضع ليست بشرط في جواز نكاح (أي "عقد القران" على) الرضيعة.

وعلى ضوء هذا الملخص يمكن أن نعرف:

 

أولا: أن مفهوم "القاصر أو القاصرة" مفهوم فكري حديث، وله دلالات قانونية واجتماعية وتربوية متنوعة تبعا للمجال الذي يتم ندرسه، وهو غير موجود بهذا اللفظ في الفقه الاسلامي في قضايا الزواج. ويمكن أن نعد القاصرة في الفقه هي غير المؤهلة لممارسة الجنس الكامل، سواء أكانت دون التاسعة، أو أكملتها ولكنها لسببٍ ما لم تكن مؤهلة للممارسة الجنسية، وهذا المعنى أضيق مما يتناوله الفكر المعاصر.

 

ثانيا: لا تكترث هذه الرؤية لخاصية العمر في عقد القران (لولي الفتاة الحق بذلك مهما كان العمر)، وترفع الحظر عن الممارسة الجنسية بمحض استعداد الفتاة للخصوبة (بلوغها تسعة أعوام).

 

ثالثا: تتعاطى هذه الرؤية مع الزواج كعلاقة جنسية أكثر منه ارتباط شراكة في أسرة.

 

والآن يمكن تمييز هذه الرؤية عن التصور الحديث للزواج، حيث يقوم هذا التصور على التعامل مع المرأة كذات واعية وناضجة لها قرارها في ارتباط الشراكة، ثم يميز بين ممارسة الجنس وبين تأسيس الأسرة، كما يجعل من غياب الإرادة الحرة الواعية للذات البشرية (مهما كان عمر الفتاة) في الزواج والجنس نوعا من العدوان والاغتصاب أو التحرش.

 

الملاحظة الحادي عشر: لا يسعنا في الختام إلا أن ندعو من يهمهم الأمر إلى التفكير بتفاصيل المقترح بنحو أوسع من أفق الفقه التقليدي المتوارث. نحن لا نعيش في ستينيات القرن الماضي حين تمت معارضة قانون الأحوال لعام 59، فاليوم الممارسة الفقهية تخضع لمراجعات جذرية حول المبادئ والأصول التشريعية التي يجب أخذها بنظر الاعتبار، وهناك محاولات لفهم الأبعاد المكوِّنة للتشريعات الاسلامية وتحليلها بعقلية اجتهادية تتفهم المناخات والخصوصيات التاريخية والاجتماعية التي تلغي بعض الاشتراطات والقيود الفقهية الموروثة على اساس أنها لا تشكل صلب الخطابات الدينية أو تحكم بنفاد أغراضها التي شرعت لأجلها. هذه المسائل التي يتناولها مشروع التعديل بحاجة إلى أن يدرسها باحثون متخصصون في الفقه الاسلامي يمتلكون أفقا فكريا ووعيا تاريخيا أكثر بكثير من مجرد إتقانِ الصناعة الأصولية الموروثة والاطلاعِ على النصوص الشرعية دون تحليل لأبعادها التاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

 

المصدر: